تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
خلق السماء . وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنه قال فيها
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[ البقرة : 29 ] الآية . وقد مكثت زمنا طويلا أفكر في حل هذا الإشكال حتى هداني اللّه إليه ذات يوم ففهمته من القرآن العظيم . وإيضاحه : أن هذا الإشكال مرفوع من وجهين ، كل منهما تدل عليه آية من القرآن . الأول : أن المراد بخلق ما في الأرض جميعا قبل خلق السماء : الخلق اللغوي الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل ، الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود ، والعرب تسمي التقدير خلقا . ومنه قول زهير :
ولأنت تفري ما خلقت * وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير ، أنه تعالى نص على ذلك في سورة فصلت . حيث قال :
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[ فصلت : 10 ] ثم قال :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[ فصلت : 11 ] الآية . الوجه الثاني : أنه لما خلق الأرض غير مدحوة وهي أصل لكل ، ما فيها كان كل ما فيها كأنه خلق بالفعل لوجود أصله فعلا . والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع ، وإن لم يكن موجودا بالفعل ، قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
[ الأعراف : 11 ] الآية ، فقوله
خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
[ الأعراف : 11 ] أي بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم . وجمع بعض العلماء بأن معنى قوله
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
( 30 ) [ النازعات : 30 ] أي مع ذلك ، فلفظة بعد ، بمعنى مع . ونظيره قوله تعالى :
عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
( 13 ) [ القلم : 13 ] وعليه فلا إشكال في الآية . ويستأنس لهذا القول بالقراءة الشاذة وبها قرأ مجاهد ، والأرض مع لك دحاها . وجمع بعضهم بأوجه ضعيفة . لأنها مبينة على أن خلق السماء قبل الأرض وهو خلاف التحقيق . منها أن ثم : بمعنى الواو . ومنها : أنها للترتيب الذكري كقوله تعالى
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 17 ] الآية .