قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 8 )
[ 8 ] .
الأجر جزاء العمل ، وجزاء عمل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، هو نعيم الجنة وذلك الجزاء غير ممنون ، أي غير مقطوع ، فالممنون اسم مفعول منه بمعنى قطعه ، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته :
لمعفر فهد تنازع شلوة * غبس كواسب ما يمن طعامها
فقوله : ما يمن طعامها أي ما يقطع ، وقول ذي الأصبع :
إني لعمرك ما بابي بذي غلق * على الصديق ولا خيري بممنون
وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من أن أجرهم غير ممنون ، نص اللّه تعالى عليه في آيات أخر من كتابه ، كقوله تعالى في آخر سورة الانشقاق
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
( 25 ) [ الانشقاق : 25 ] . وقوله تعالى في سورة التين
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
( 6 ) [ التين : 6 ] وقوله تعالى في سورة هود
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
( 108 ) [ هود : 108 ] .
فقوله : غير مجذوذ أي غير مقطوع ، وبه تعلم أن غير مجذوذ وغير ممنون ، معناهما واحد .
وقوله تعالى في ص
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ
( 54 ) [ ص : 54 ] أي ماله من انتهاء ولا انقطاع . وقوله في النحل
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ] .
وهذا الذي ذكرنا هو الذي عليه الجمهور خلافا لمن قال : إن معنى غير ممنون ، غير ممنون عليهم به .
وعليه ، فالمن في الآية من جنس المن المذكور ، في قوله تعالى :
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
[ البقرة : 264 ] .
ومن قال : إن معنى غير ممنون ، غير منقوص ، محتجا بأن العرب تطلق الممنون على المنقوص ، قالوا : ومنه قول زهير :
فضل الجياد على الخيل البطاء فلا * يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا
فقوله ممنونا أي منقوصا .
وهذا وإن صح لغة ، فالأظهر أنه ليس معنى الآية .
بل معناها : هو ما قدمنا . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
[ 10 ] .