وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب ، عن آيات الكتاب :
إن آية فصلت هذه ، أعني قوله تعالى :
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
يفهم منها الجمع بين الآيات الدالة على أن الأرض خلقت قبل السماء كقوله هنا
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 9 ] ثم رتب على ذلك بثم ، قوله
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
إلى قوله
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 11 - 12 ] مع بعض الآيات الدالة على أن السماء خلقت قبل الأرض ، كقوله تعالى في النازعات :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها
( 27 ) إلى قوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
( 30 ) [ النازعات : 27 - 30 ] .
فقلنا في كتابنا المذكور ما نصه : قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[ البقرة : 29 ] الآية ، هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء ، بدليل لفظة التي هي للترتيب والانفصال .
وكذلك آية حم السجدة ، تدل أيضا على خلق الأرض قبل السماء ، لأنه قال فيها :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 9 ] إلى أن قال
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[ فصلت : 11 ] الآية .
مع أن آية النازعات تدل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء ، لأنه قال فيها
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها
( 27 ) [ النازعات : 27 ] ، ثم قال :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
( 30 ) [ النازعات :
30 ] .
اعلم أولا أن ابن عباس رضي اللّه عنهما سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات ، فأجاب بأن اللّه تعالى خلق الأرض أولا قبل السماء غير مدحوة ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا في يومين ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك « 1 » .
فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك ، بعد خلق السماء .
ويدل لهذا أنه قال :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
( 30 ) [ النازعات : 30 ] ولم يقل خلقها ثم فسر دحوه إياها بقوله :
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
( 31 ) [ النازعات : 31 ] وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه . مفهوم من ظاهر القرآن العظيم إلا أنه يرد عليه إشكال من آية البقرة هذه .
وإيضاحه أن ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء ، ودحوها بما فيها بعد
هامش
( 1 ) أخرجه عن علي بن أبي طالب عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 30 / 29 .