[ الإسراء : 9 ] .
وبينا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك إنكار المشركين كون الرسل من البشر ، وأنهم ينبغي أن يكونوا من الملائكة ، وما رد اللّه عليهم به ذلك من الآيات القرآنية ، أوضحنا ذلك في سورة ص ، في الكلام على قوله تعالى :
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
[ ص :
4 ] وفي سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا
إلى قوله :
لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
( 95 ) [ الإسراء : 94 - 95 ] .
قوله تعالى :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 ) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 7 )
[ 6 - 7 ] .
قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة ، على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، لأنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة ، بأنهم مشركون ، وأنهم كافرون بالآخرة ، وقد توعدهم بالويل على شركهم وكفرهم بالآخرة ، وعدم إيتائهم الزكاة ، سواء قلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة المال المعروفة ، أو زكاة الأبدان بفعل الطاعات واجتناب المعاصي .
ورجح بعضهم القول الأخير لأن سورة فصلت هذه ، من القرآن النازل بمكة قبل الهجرة ، وزكاة المال المعروفة إنما فرضت بعد الهجرة سنة اثنتين ، كما قدمناه في سورة الأنعام ، في الكلام على قوله تعالى :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
[ الأنعام : 141 ] .
وعلى كل حال ، فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإسلام .
أعني امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، من كونهم مخاطبين بذلك وأنهم يعذبون على الكفر ، ويعذبون على المعاصي ، جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى عنهم مقررا له :
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ( 45 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ
( 47 ) [ المدثر : 42 - 47 ] .
فصرح تعالى عنهم ، مقررا له أن من الأسباب التي سلكتهم في سقر ، أي أدخلتهم النار ، عدم الصلاة ، وعدم إطعام المسكين ، وعد ذلك مع الكفر بسبب التكذيب بيوم الدين .
ونظير ذلك قوله تعالى :
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ
( 32 ) [ الحاقة : 30 - 32 ] ثم بين سبب ذلك فقال :
إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
( 36 ) [ الحاقة : 33 - 36 ] الآية - إلى غير ذلك من الآيات .