تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
فطبع على قلوبهم ، فهم بسبب ذلك الطبع لا يفقهون أي لا يفهمون من براهين اللّه وحججه شيئا . وذلك مما يبين أن الطبع والأكنة يؤول معناهما إلى شيء واحد ، وهو ما ينشأ عن كل منهما من عدم الفهم . لأنه قال في الطبع
فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
( 3 ) [ المنافقون : 3 ] . وقال في الأكنة :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
[ الأنعام : 25 ] أي كراهة أن يفقهوه ، أو لأجل ألا يفقهوه ، كما قدمنا إيضاحه . وكقوله تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصف : 5 ] فبين أن زيغهم الأول ، كان سببا لإزاغة اللّه قلوبهم ، وتلك الإزاغة قد تكون بالأكنة والطبع والختم على القلوب . وكقوله تعالى :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ البقرة : 10 ] وقوله تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الأنعام : 110 ] الآية . وقوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ التوبة : 125 ] الآية . وإيضاح هذا الجواب : أن الكفار قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 5 ] يقصدون بذلك إخباره صلى اللّه عليه وسلم بأنهم لا يؤمنون به بوجه ، ولا يتبعونه بحال ، ولا يقرون بالحق الذي هو كون كفرهم هذا هو الجريمة ، والذنب الذي كان سببا في الأكنة ، والوقر والحجاب . فدعواهم كاذبة ، لأن اللّه جعل لهم قلوبا يفهمون بها ، وآذانا يسمعون بها ، خلافا لما زعموا ، ولكنه ، سبب لهم الأكنة ، والوقر والحجاب ، بسبب مبادرتهم إلى الكفر ، وتكذيب الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وهذا المعنى أوضحه رده تعالى على اليهود في قوله عنهم :
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النساء : 155 ] . وقد حاول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة ، الجواب على الإشكال المذكور فقال : فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار فقال في معرض الذم ، وذكر أيضا ما يقرب منه في معرض الذم ، فقال :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
[ البقرة : 88 ] ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معنى التقدير والإثبات في سورة الأنعام ، فقال :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[ الأنعام : 25 ] فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا : إنه لم يقل هاهنا إنهم كذبوا في ذلك ، إنما الذي ذمهم عليه ، أنهم قالوا إنا إذا كنا كذلك ، لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا ، وهذا الثاني باطل .