تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
وقال تعالى في الأنعام
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها
[ الأنعام : 25 ] وقال تعالى في الكهف :
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً
( 57 ) [ الكهف : 57 ] . وهذا الإشكال الذي أشرنا إليه في هذه الآيات قوي ، ووجه كونه مشكلا ظاهر ، لأنه تعالى ذمهم على دعواهم الأكنة والوقر والحجاب في هذه الآية الكريمة من فصلت ، وبين في الآيات الأخرى أن ما ذمهم على ادعائه واقع بهم فعلا ، وأنه تعالى هو الذي جعله فيهم . فيقال : فكيف يذمون على قول شيء ، هو حق في نفس الأمر . والتحقيق في الجواب عن هذا الإشكال ، هو ما ذكرناه مرارا ، من أن اللّه إنما جعل على قلوبهم الأكنة ، وطبع عليها وختم عليها ، وجعل الوقر في آذانهم ، ونحو ذلك من الموانع من الهدى ، بسبب أنهم بادروا إلى الكفر ، وتكذيب الرسل طائعين مختارين ، فجزاهم اللّه على ذلك الذنب الأعظم ، طمس البصيرة ، والعمى عن الهدى ، جزاء وفاقا . فالأكنة والوقر والحجاب المذكورة إنما جعلها اللّه عليهم ، مجازاة لكفرهم الأول . ومن جزاء السيئة ، تمادي صاحبها في الضلال ، وللّه الحكمة البالغة في ذلك . والآيات المصرحة بمعنى هذا كثيرة في القرآن ، كقوله تعالى :
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النساء : 155 ] . فقول اليهود في هذه الآية
قُلُوبُنا غُلْفٌ
كقول كفار مكة :
قُلُوبُنا
فِي أَكِنَّةٍ
لأن الغلف ، جمع أغلف وهو الذي عليه غلاف ، والأكنة جمع كنان ، والغلاف والكنان كلاهما بمعنى الغطاء الساتر . وقد رد اللّه على اليهود دعواهم ببل التي هي للإضراب الإبطالي ، في قوله
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النساء : 155 ] . فالباء في قوله : بكفرهم سببية ، وهي دالة على أن سبب الطبع على قلوبهم هو كفرهم ، والأكنة والوقر والطبع كلها من باب واحد . وكقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
( 3 ) [ المنافقون : 3 ] ، والفاء في قوله : فطبع سببية أي ثم كفروا ، فطبع على قلوبهم بسبب ذلك الكفر . وقد قدمنا مرارا أنه تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل ، ومن المعلوم أن العلة الشرعية سبب شرعي . وكذلك الفاء في قوله :
فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
( 3 ) [ المنافقون : 3 ] فهي سببية أيضا ، أي