ويدل لذلك قوله تعالى :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
( 17 ) [ هود : 17 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
وَهُوَ الْحَقُّ
جملة اعتراضية تتضمن شهادة اللّه بأن هذا القرآن المنزل على هذا النبي الكريم ، صلى اللّه عليه وسلم هو الحق من اللّه ، كما قال تعالى :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ
[ الأنعام : 66 ] ، قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ
( 51 ) [ الحاقة : 50 - 51 ] . وقال تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
[ يونس : 108 ] الآية وقال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ
[ النساء : 170 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .
وقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ
أي ذلك المذكور من إضلال أعمال الكفار أي إبطالها واضمحلالها ، وبقاء ثواب أعمال المؤمنين ، وتكفير سيئاتهم وإصلاح حالهم ، كله واقع بسبب أن الكفار اتبعوا الباطل ، ومن اتبع الباطل فعمله باطل .
والزائل المضمحل تسميه العرب باطلا وضده الحق .
وبسبب أن الذين آمنوا اتبعوا الحق ، ومتبع الحق أعماله حق ، فهي ثابتة باقية ، لا زائلة مضمحلة .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من أن اختلاف الأعمال ، يستلزم اختلاف الثواب ، لا يتوهم استواءهما إلا الكافر الجاهل ، الذي يستوجب الإنكار عليه ، جاء موضحا في آيات أخر ، كقوله تعالى :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
( 36 ) [ القلم : 35 - 36 ] .
وقوله تعالى :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
( 28 ) [ ص : 28 ] . وقوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
( 21 ) [ الجاثية : 21 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ
( 3 ) .
قال فيه الزمخشري : فإن قلت : أين ضرب الأمثال ؟
قلت : في جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار .
واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين .
أو في أن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار ، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين .
ا ه . منه .
وأصل ضرب الأمثال يراد منه بيان الشيء بذكر نظيره الذي هو مثل له .