تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
وفي لفظ له عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا ، وأما المؤمن فإن اللّه يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته » « 1 » ا ه . فهذا الحديث الثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فيه التصريح ، بأن الكافر يجازى بحسناته في الدنيا فقط ، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة معا ، وبمقتضى ذلك . يتعين تعيينا لا محيص عنه ، أن الذي أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها هو الكافر ، لأنه لا يجزى بحسناته إلا في الدنيا خاصة . وأما المؤمن الذي يجزى بحسناته في الدنيا والآخرة معا ، فلم يذهب طيباته في الدنيا ، لأن حسناته مدخرة له في الآخرة ، مع أن اللّه تعالى يثيبه بها في الدنيا كما قال تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطلاق : 2 - 3 ] فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث لا يحتسب ثوبا في الدنيا وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة . والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة ، وعلى كل حال فاللّه جل وعلا أباح لعباده على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم الطيبات في الحياة الدنيا ، وأجاز لهم التمتع بها ، ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة ، كما قال تعالى :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ الأعراف : 32 ] . فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة ، وهو صريح في أنهم لم يذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا . ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة ، يكون لهم أجر زائد على ذلك ، لأن المؤمنين يؤجرون ، بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد ، كما هو معلوم . والنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يذهب طيباته في الحياة الدنيا ، لأنه يجزى في الدنيا فقط كالآيات المذكورة ، وحديث أنس المذكور عند مسلم ، قد قدمناها موضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
( 19 ) [ الإسراء : 19 ] وذكرنا هناك أسانيد الحديث المذكور وألفاظه . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ
أي عذاب الهوان وهو الذل والصغار .
هامش
( 1 ) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم حديث 57 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 257 | الشنقيطي