تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
واعلم أن للعلماء كلاما كثيرا في هذه الآية قائلين إنها تدل على أنه ينبغي التقشف والإقلال من التمتع بالمآكل والمشارب والملابس ونحو ذلك . وأن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كان يفعل ذلك خوفا منه ، أن يدخل في عموم من يقال لهم يوم القيامة :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
الآية . والمفسرون يذكرون هنا آثارا كثيرة في ذلك ، وأحوال أهل الصفة وما لا قوه من شدة العيش . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : التحقيق : إن شاء اللّه في معنى هذه الآية هو أنها في الكفار وليست في المؤمنين الذين يتمتعون باللذات التي أباحها اللّه لهم ، لأنه تعالى ما أباحها لهم ليذهب بها حسناتهم . وإنما قلنا : إن هذا هو التحقيق ، لأن الكتاب والسنة الصحيحة دالان عليه واللّه تعالى يقول :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[ النساء : 59 ] الآية . أما كون الآية في الكفار فقد صرح اللّه تعالى به في قوله :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ
الآية . والقرآن والسنة الصحيحة ، قد دلا على أن الكافر إن عمل عملا صالحا مطابقا للشرع ، مخلصا فيه للّه ، كالكافر الذي يبر والديه ، ويصل الرحم ويقري الضيف ، وينفس عن المكروب ، ويعين المظلوم يبتغي بذلك وجه اللّه يثاب بعمله في دار الدنيا خاصة بالرزق والعافية ، ونحو ذلك ولا نصيب له في الآخرة . فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 16 ) [ هود : 15 - 16 ] وقوله تعالى :
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
( 20 ) [ الشورى : 20 ] . وقد قيد تعالى هذا الثواب الدنيوي المذكور في الآيات بمشيئته وإرادته ، في قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً
( 18 ) [ الإسراء : 18 ] . وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه لا يظلم مؤمنا حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها للّه في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزي بها » هذا لفظ مسلم في صحيحه « 1 » .
هامش
( 1 ) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم حديث 56 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 256 | الشنقيطي