تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة يس في الكلام على قوله تعالى
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 7 ) [ يس : 7 ] . وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن منكري البعث يحق عليهم القول لكفرهم ، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى
وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً
( 11 ) [ الفرقان : 11 ] . قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ( 20 )
[ 20 ] . معنى الآية الكريمة أنه يقال للكفار يوم يعرضون على النار :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ .
فقوله يعرضون على النار : قال بعض العلماء : معناه يباشرون حرها كقول العرب : عرضهم على السيف إذا قتلهم به ، وهو معنى معروف في كلام العرب . وقد ذكر تعالى مثل ما ذكر هنا في قوله :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
[ الأحقاف : 34 ] وهذا يدل على أن المراد بالعرض مباشرة العذاب لقوله :
قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
( 34 ) [ الأحقاف : 34 ] . وقوله تعالى :
وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
[ غافر : 45 - 46 ] لأنه عرض عذاب . وقال بعض العلماء : معنى عرضهم على النار هو تقريبهم منها ، والكشف لهم عنها ، حتى يروها كما قال تعالى :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ
[ الكهف : 53 ] الآية . وقال تعالى :
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ
[ الفجر : 23 ] . وقال بعض العلماء : في الكلام قلب ، وهو مروي عن ابن عباس وغيره . قالوا : والمعنى ويوم تعرض النار على الذين كفروا قالوا وهو كقول العرب : عرضت الناقة على الحوض . يعنون عرضت الحوض على الناقة ، ويدل لهذا قوله تعالى :
وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً
( 100 ) [ الكهف : 100 ] . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : هذا النوع الذي ذكروه من القلب في الآية ، كقلب الفاعل مفعولا ، والمفعول فاعلا ، ونحو ذلك اختلف فيه علماء العربية ، فمنعه البلاغيون إلا في التشبيه ، فأجازوا قلب المشبه مشبها به والمشبه به مشبها بشرط أن يتضمن ذلك نكتة وسرا لطيفا كما هو المعروف عندهم في مبحث التشبيه المقلوب . وأجازه كثير من علماء العربية . والذي يظهر لنا أنه أسلوب عربي نطقت به العرب في لغتها ، إلا أنه يحفظ ما سمع