تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وقول دريد بن الصمة في الخنساء :
ما إن رأيت ولا سمعت به * كاليوم طالى أينق جرب
فإن زائدة بعد ما النافية في البيتين وهو كثير ، وقد حملوا على ذلك ما الموصولة فقالوا : تزاد بعدها إن كآية الأحقاف هذه . وأنشد لذلك الأخفش :
يرجى المرء ما إن لا يراه * وتعرض دون أدناه الخطوب
أي يرجى المرء الشيء الذي لا يراه ، وإن زائدة ، وهذان هما الوجهان اللذان لا تظهر صحة واحد منهما . لأن الأول منهما فيه حذف وتقدير . والثاني منهما فيه زيادة كلمة . وكل ذلك لا يصار إليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه . أما الوجه الثالث الذي هو الصواب إن شاء اللّه ، فهو أن لفظة إن نافية بعد ما الموصولة أي ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من القوة في الأجسام ، وكثرة الأموال والأولاد ، والعدد . وإنما قلنا : إن القرآن يشهد لهذا القول لكثرة الآيات الدالة عليه ، فإن اللّه جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه يهدد كفار مكة بأن الأمم الماضية كانت أشد منهم بطشا وقوة ، وأكثر منهم عددا ، وأموالا ، وأولادا ، فلما كذبوا الرسل ، أهلكهم اللّه ليخافوا من تكذيب النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يهلكهم اللّه بسببه ، كما أهلك الأمم التي هي أقوى منهم ، كقوله تعالى في المؤمن
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 82 ) [ غافر : 82 ] . وقوله فيها أيضا :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
[ غافر : 21 ] الآية . وقوله تعالى في الروم :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها
[ الروم : 9 ] الآية . وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في السلام على قوله تعالى :
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
( 8 ) [ الزخرف : 8 ] . قوله تعالى :
فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 28 )
[ 28 ] .