في قوله :
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ
مبتدأ خبره قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
[ 18 ] الآية .
والإخبار عن لفظة الذي في قوله
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ
القول بصيغة الجمع ، صريح في أن المراد بالذي ، العموم لا الإفراد . وخير ما يفسر به القرآن القرآن .
وبهذا الدليل القرآني تعلم أن قول من قال في هذه الآية الكريمة أنها نازلة في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما ، ليس بصحيح ، كما جزمت عائشة رضي اللّه عنها ببطلانه .
وفي نفس آية الأحقاف هذه دليل آخر واضح على بطلانه ، وهو أن اللّه صرح بأن الذين قالوا تلك المقالة حق عليهم القول ، وهو قوله
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
( 13 ) [ السجدة : 13 ] .
ومعلوم أن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما أسلم وحسن إسلامه ، وهو من خيار المسلمين وأفاضل الصحابة ، رضي اللّه عنهم .
وغاية ما في هذه الآية الكريمة هو إطلاق الذي وإرادة الذين ، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب ، لأن لفظ الذي مفرد ومعناها عام لكل ما تشمله صلتها ، وقد تقرر في علم الأصول أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم ، كما أشار له في مراقي السعود بقوله :
صيغة كل أو الجميع * وقد تلا الذي التي الفروع
فمن إطلاق الذي وإرادة الذين في القرآن ، هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف .
وقوله تعالى في سورة البقرة :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[ البقرة : 17 ] الآية . أي كمثل الذين استوقدوا بدليل قوله
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
( 17 ) [ البقرة :
17 ] بصيغة الجمع في الضمائر الثلاثة التي هي
بِنُورِهِمْ
وَتَرَكَهُمْ ،
والواو في
لا يُبْصِرُونَ
( 17 ) وقوله تعالى في البقرة أيضا :
كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ
[ البقرة : 264 ] أي كالذين ينفقون بدليل قوله
لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
[ البقرة : 264 ] . وقوله في الزمر :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
( 33 ) [ الزمر : 33 ] وقوله في التوبة
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
[ التوبة : 69 ] أي كالذين خاضوا بناء على أنها موصولة لا مصدرية ، ونظير ذلك من كلام العرب قول أشهب بن رميلة :
فإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد
وقول عديل بن الفرخ العجلي :
وبت أساقي القوم إخوتي الذي * غوايتهم غيي ورشدهم رشدي