تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
والتحقيق الأول . ولم يقل أحد البتة بقول ثالث في مدار الصدق والكذب في الشرطيات . فإذا حققت هذا ، فاعلم أن الآية الكريمة ، على القول بأنها جملة شرط وجزاء لا يصح الربط بين طرفيها البتة بحال على واحد من القولين اللذين لا ثالث لهما إلا على وجه محذور لا يصح القول به بحال . وإيضاح ذلك أنه على القول الأخير ، أن مصب الصدق والكذب ، في الشرطيات إنما هو التالي الذي هو الجزاء ، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك . فمعنى الآية عليه باطل بل هو كفر . لأن معناه أن كونه أول العابدين يشترط فيه أن يكون للرحمن ولد ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . لأن مفهوم الشرط أنه إن لم يكن له ولد ، لم يكن أول العابدين ، وفساد هذا المعنى كما ترى . وأما على القول الأول الذي هو الصحيح أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على صحة الربط بين طرفي الشرطية . فإنه على القول بأن الآية الكريمة جملة شرط وجزاء لا يصح الربط بين طرفيها البتة أيضا ، إلا على وجه محذور لا يجوز المصير إليه بحال ، لأن كون المعبود ذا ولد ، واستحقاقه هو ، أو ولده العبادة ، لا يصح الربط بينهما البتة إلا على معنى هو كفر باللّه ، لأن المستحق للعبادة لا يعقل بحال أن يكون ولدا أو والدا . وبه تعلم أن الشرط المزعوم في قوله
إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
إنما يعلق به محال لاستحالة كون الرحمن ذا ولد . ومعلوم أن المحال لا يعلق عليه إلا المحال . فتعليق عبادة اللّه التي هي أصل الدين على كونه ذا ولد ظهور فساده كما ترى ، وإنما تصدق الشرطية في مثل هذا لو كان المعلق عليه مستحيلا ، فادعاء أن ( إن ) في الآية شرطية مثل ما لو قيل : لو كان معه آلهة لكنت أول العابدين له ، وهذا لا يصدق بحال ، لأن واحدا من آلهة متعددة ، لا يمكن أن يعبد ، فالربط بين طرفيها مثل هذه القضية لا يصح بحال . ويتضح لك ذلك بمعنى قوله :
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
[ المؤمنون : 91 ] الآية . فإن قوله إذا : أي لو كان معه غيره من الآلهة ، لذهب كل واحد منهم بما خلق واستقل