تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
به ، وغالب بعضهم بعضا ولم ينتظم للسماوات والأرض نظام ولفسد كل شيء . كما قال تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] ، وقوله تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
[ الإسراء : 42 ] على الصحيح الذي هو الحق من التفسيرين . ومعنى ابتغائهم إليه تعالى سبيلا هو طلبهم طريقا إلى مغالبته كما يفعله بعض الملوك مع بعضهم . والحاصل : أن الشرط إن علق به مستحيل فلا يمكن أن يصح الربط بينه وبين الجزاء ، إلا إذا كان الجزاء مستحيلا أيضا لأن الشرط المستحيل لا يمكن أن يوجد به إلا الجزاء المستحيل . أما كون الشرط مستحيلا والجزاء هو أساس الدين وعماد الأمر ؛ فهذا مما لا يصح بحال . ومن ذهب إليه من أهل العلم والدين لا شك في غلطه . ولا شك في أن كل شرطية صدقت مع بطلان مقدمها الذي هو الشرط وصحة تاليها الذي هو الجزاء لا يصح التمثيل بها لهذه الآية بوجه من الوجوه ، وأن ما ظنه الفخر الرازي من صحة التمثيل لها بذلك غلط فاحش منه بلا شك ، وإيضاح ذلك أن كل شرطية كاذبة الشرط صادقة الجزاء عند إزالة الربط لا بد أن يكون موجب ذلك فيها أحد أمرين لا ثالث لهما البتة . وكلاهما يكون الصدق به من أجل أمر خاص لا يمكن وجود مثله في الآية الكريمة التي نحن بصددها ، بل هو مناقض لمعنى الآية . والاستدلال بوجود أحد المتناقضين على وجود الآخر ضروري البطلان . ونعني بأول الأمرين المذكورين كون الشرطية اتفاقية لا لزومية أصلا . وبالثاني منهما كون الصدق المذكور ، من أجل خصوص المادة . ومعلوم أن الصدق من أجل خصوص المادة لا عبرة به في العقليات ، وأنه في حكم الكذب لعدم اضطراده ، لأنه يصدق في مادة ويكذب في أخرى . والمعتبر إنما هو الصدق اللازم المضطرد ، الذي لا يختلف باختلاف المادة بحال . ولا شك أن كل قضية شرطها محال لا يضطرد صدقها إلا إذا كان جزاؤها محالا خاصة . فإن وجدت قضية باطلة الشرط صحيحة الجزاء ، فلا بد أن يكون ذلك ، لكونها اتفاقية
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 193 | الشنقيطي