تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
الذي يظهر لي في معنى هذه الآية الكريمة : أنه يتعين المصير إلى القول بأن إن نافية ، وأن القول بكونها شرطية لا يمكن أن يصح له معنى بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، وإن قال به جماعة من أجلاء العلماء . وإنما اخترنا أن
إِنْ
هي النافية لا الشرطية ، وقلنا إن المصير إلى ذلك متعين في نظرنا لأربعة أمور : الأول : إن هذا القول جار على الأسلوب العربي ، جريانا واضحا ، لا إشكال فيه ، فكون إن كان بمعنى ما كان كثير في القرآن ، وفي كلام العرب كقوله تعالى :
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً
[ يس : 29 ] أي ما كانت إلا صيحة واحدة . فقولك مثلا معنى الآية الكريمة : ما كان للّه ولد فأنا أول العابدين ، الخاضعين للعظيم الأعظم ، المنزه عن الولد أو الآنفين المستنكفين ، من أن يوصف ربنا بما لا يليق بكماله وجلاله ، من نسبة الولد إليه ، أو الجاحدين النافين ، أن يكون لربنا ولد ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لا إشكال فيه ، لأنه جار على اللغة العربية ، التي نزل بها القرآن ، دال على تنزيه اللّه ، تنزيها تاما عن الولد ، من غير إيهام البتة لخلاف ذلك . الأمر الثاني : أن تنزيه اللّه عن الولد ، بالعبارات التي لا إيهام فيها ، هو الذي جاءت به الآيات الكثيرة ، في القرآن كما قدمنا إيضاحه ، في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى :
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
( 4 ) [ الكهف : 4 ] الآية . وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
( 89 ) [ مريم : 88 - 89 ] والآيات الكثيرة التي ذكرناها في ذلك تبين أن ( إن ) نافية . فالنفي الصريح الذي لا نزاع فيه يبين أن المراد في محل النزاع النفي الصريح . وخير ما يفسر به القرآن القرآن فكون المعبر في الآية : وما كان للرحمن ولد بصيغة النفي الصريح مطابق لقوله تعالى في سورة بني إسرائيل
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً
[ الإسراء : 111 ] الآية . وقوله تعالى في أول الفرقان
وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
[ الفرقان : 2 ] الآية . وقوله تعالى :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ
[ المؤمنون : 91 ] الآية . وقوله تعالى :
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
( 3 ) [ الإخلاص : 3 ] وقوله تعالى
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 152 ) [ الصافات : 151 - 152 ] إلى غير ذلك من الآيات . وأما على القول بأن إن شرطية وأن قوله تعالى :
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) جزاء لذلك الشرط فإن ذلك لا نظير له البتة في كتاب اللّه ، ولا توجد فيه آية تدل على مثل هذا المعنى . الأمر الثالث : هو أن القول بأن ( إن ) شرطية لا يمكن أن يصح له معنى في اللغة العربية ، إلا معنى محذور ، لا يجوز القول به بحال ، وكتاب اللّه جل وعلا ، يجب تنزيهه عن