تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
حمله على معان محذورة لا يجوز القول بها . وإيضاح هذا أنه على القول بأن ( إن ) شرطية ، وقوله :
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) جزاء الشرط لا معنى لصدقه البتة إلا بصحة الربط بين الشرط والجزاء . والتحقيق الذي لا شك فيه أن مدار الصدق والكذب في الشرطية المتصلة ، منصب على صحة الربط بين مقدمها الذي هو الشرط وتاليها الذي هو الجزاء ، والبرهان القاطع على صحة هذا ، هو كون الشرطية المتصلة ، تكون في غاية الصدق مع كذب طرفيها معا ، أو أحدهما لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها ، فمثال كذبهما معا مع صدقها قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] فهذه قضية في غاية الصدق كما ترى ، مع أنها لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها كان كل واحد من طرفيها ، قضية كاذبة بلا شك ، ونعني بأداة الربط لفظة لو من الطرف الأول ، واللام من الطرف الثاني ، فإنهما لو أزيلا وحذفا صار الطرف الأول كان فيهما آلهة إلا اللّه ، وهذه قضية في منتهى الكذب ، وصار الطرف الثاني فسدتا أي السماوات والأرض ، وهذه قضية في غاية الكذب كما ترى . فاتضح بهذا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على صحة الربط بين الطرفين وعدم صحته . فإن كان الربط صحيحا فهي صادقة ، ولو كذب طرفاها أو أحدهما عند إزالة الربط . وإن كان الربط بينهما كاذبا كانت كاذبة كما لو قلت : لو كان هذا إنسانا لكان حجرا ، فكذب الربط بينهما وكذب القضية بسببه كلاهما واضح . وأمثلة صدق الشرطية مع كذب طرفيها كثيرة جدا كالآية التي ذكرنا ، وكقولك لو كان الإنسان حجرا لكان جمادا ، ولو كان الفرس ياقوتا لكان حجرا ، فكل هذه القضايا ونحوها صادقة مع كذب طرفيها لو أزيلت أداة الربط . ومثال صدقها مع كذب أحدهما ، قولك لو كان زيد في السماء ما نجا من الموت فإنها شرطية صادقة لصدق الربط بين طرفيها ، مع أنها كاذبة أحد الطرفين دون الآخر ، لأن عدم النجاة من الموت صدق ، وكون زيد في السماء كذب ، هكذا مثل بهذا المثال البناني ، وفيه عندي أن هذه الشرطية التي مثل بها اتفاقية لا لزومية ، ولا دخل للاتفاقيات في هذا المبحث . والمثال الصحيح : لو كان الإنسان حجرا لكان جسما . واعلم أن قوما زعموا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات منصب على خصوص التالي الذي هو الجزاء ، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك . وزعموا أن هذا المعنى هو المراد عند أهل اللسان العربي .