تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
أو لأجل خصوص المادة فقط . فمثال وقوع ذلك لكونها اتفاقية قولك : إن كان زيد في السماء لم ينج من الموت . فالشرط الذي هو كونه في السماء باطل والجزاء الذي هو كونه لم ينج من الموت صحيح . وإنما صح هذا لكون هذه الشرطية اتفاقية . ومعلوم أن الاتفاقية لا علاقة بين طرفيها أصلا . فلا يقتضي ثبوت أحدهما ولا نفيه ثبوت الآخر ولا نفيه ، فلا ارتباط بين طرفيها في المعنى أصلا وإنما هو في اللفظ فقط . فكون زيد في السماء لا علاقة له بعدم نجاته من الموت أصلا ، ولا ارتباط بينهما إلا في اللفظ . فهو كقولك : إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل . وقد قدمنا إيضاح الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى :
وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً
( 57 ) [ الكهف : 57 ] فراجعه . ومعلوم أن قوله
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
لم يقل أحد إنها شرطية اتفاقية ولم يدع أحد ، أنها لا علاقة بين طرفيها أصلا . ومثال وقوع ذلك لأجل خصوص المادة فقط ، ما مثل به الفخر الرازي لهذه الآية الكريمة ، مع عدم انتباهه لشدة المنافاة بين الآية الكريمة وبين ما مثل لها به ، فإنه لما قال : إن الشرط الذي هو
إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
باطل ، والجزاء الذي هو :
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) صحيح . مثل لذلك بقوله : إن كان الإنسان حجرا فهو جسم ، يعني أن قوله : إن كان الإنسان حجرا شرط باطل فهو كقوله تعالى
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
فكون الإنسان حجرا وكون الرحمن ذا ولد كلاهما شرط باطل . فلما صح الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله : إن كان الإنسان حجرا فهو جسم دل ذلك على أن الجزاء الصحيح في قوله :
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) يصح ترتيبه على الشرط الباطل الذي هو
إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ .
وهذا غلط فاحش جدا ، وتسوية بين المتنافيين غاية المنافاة ، لأن الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله : إن كان الإنسان حجرا فهو جسم إنما صدق لأجل خصوص المادة
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 194 | الشنقيطي