تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الطبري ، والذين قالوا إنها شرطية ، اختلفوا في المراد بقوله : فأنا أول العابدين . فقال بعضهم : فأنا أول العابدين لذلك الولد . وقال بعضهم : فأنا أول العابدين للّه على فرض أن له ولدا . وقال بعضهم : فأنا أول العابدين للّه جازمين بأنه لا يمكن أن يكون له ولد وقالت جماعة آخرون : إن لفظة
إِنْ
في الآية نافية . والمعنى ما كان للّه ولد ، وعلى القول بأنها نافية ففي معنى قوله :
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) ثلاثة أوجه الأول وهو أقربها : أن المعنى ما كان للّه ولد فأنا أول العابدين للّه ، المنزهين له عن الولد ، وعن كل ما لا يليق بكماله ، وجلاله . والثاني أن معنى قوله
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) : أي الآنفين المستنكفين من ذلك يعني القول الباطل المفتري على ربنا الذي هو ادعاء الولد له . والعرب تقول : عبد بكسر الباء يعبد بفتحها فهو عبد بفتح فكسر على القياس ، وعابد أيضا سماعا ، إذا اشتدت أنفته واستنكافه وغضبه ، ومنه قول الفرزدق :
أولئك قومي إن هجوني هجوتهم * وأعقد أن أهجو كليبا بدارم
فقوله : وأعبد يعني آنف وأستنكف . ومنه أيضا قول الآخر :
متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله * ويعبد عليه لا محالة ظالما
وفي قصة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه المشهورة : أنه جيء بامرأة من جهينة تزوجت ، فولدت لستة أشهر ، فبعث بها عثمان لترجم ، اعتقادا منه أنها كانت حاملا قبل العقد لولادتها قبل تسعة أشهر ، فقال له علي رضي اللّه عنهما : إن اللّه يقول : وحمله وفصله ثلاثون شهرا [ الأحقاف : 15 ] ، ويقول جل وعلا :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
[ لقمان : 14 ] فلم يبق عن الفصال من المدة إلا ستة أشهر . فما عبد عثمان رضي اللّه عنه ، أن بعث إليها ، لترد ولا ترجم . ومحل الشاهد من القصة ، فو اللّه : [ ما عبد عثمان ] أي ما أنف ولا استنكف من الرجوع إلى الحق . الوجه الثالث : أن المعنى
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) أي الجاحدين النافين أن يكون للّه ولد سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له :