تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
لا لمعنى اقتضاه الربط البتة . وإيضاح ذلك أن النسبة بين الجسم والحجر ، والنسبة بين الإنسان والجسم هي العموم والخصوص المطلق في كليهما . فالجسم أعم مطلقا من الحجر ، والحجر أخص مطلقا من الجسم ، كما أن الجسم أعم من الإنسان أيضا عموما مطلقا ، والإنسان أخص من الجسم أيضا خصوصا مطلقا : فالجسم جنس قريب للحجر ، وجنس بعيد للإنسان ، وإن شئت قلت : جنس متوسط له . وإيضاح ذلك أن تقول في التقسيم الأول : الجسم إما نام أي يكبر تدريجا أو غير نام ، فغير النامي كالحجر مثلا ، ثم تقسم النامي تقسيما ثانيا ؟ فتقول : النامي إما حساس أو غير حساس ، فغير الحساس منه كالنبات . ثم تقسم الحساس تقسيما ثالثا فتقول : الحساس إما ناطق أو غير ناطق ، والناطق منه هو الإنسان . فاتضح أن كلا من الإنسان والحجر يدخل في عموم الجسم ، والحكم بالأعم على الأخص صادق في الإيجاب بلا نزاع ولا تفصيل . فقولك : الإنسان جسم صادق في كل تركيب ، ولا يمكن أن يكذب بوجه ، وذلك للملابسة الخاصة بينهما من كون الجسم جنسا للإنسان ، وكون الإنسان فردا من أفراد أنواع الجسم ، فلأجل خصوص هذه الملابسة بينهما ، كان الحكم على الإنسان بأنه جسم صادقا ، على كل حال ، سواء كان الحكم بذلك ، غير معلق على شيء أو كان معلقا على باطل أو حق . فالاستدلال يصدق هذا المثال على صدق الربط بين الشرط والجزاء في قوله تعالى
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
بطلانه كالشمس في رابعة النهار . والعجب كل العجب من عاقل بقوله ، لأن المثال المذكور إنما صدق لأن الإنسان يشمله مسمى الجسم . أما من كان له ولد فالنسبة بينه وبين المعبود الحق هي تباين المقابلة ، لأن المقابلة بين المعبود بحق وبين والد أو ولد هي المقابلة بين الشيء ومساوي نقيضه . لأن من يولد أو يولد له لا يمكن أن يكون معبودا بحق بحال . وإيضاح المنافاة بين الأمرين أنك لو قلت : الإنسان جسم لقلت الحق ولو قلت : المولود له معبود ، أو المولود معبود . قلت الباطل الذي هو الكفر البواح .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 195 | الشنقيطي