وذكرنا في ذلك أن العمل الذي بينت الآيات كونه سبب دخول الجنة هو العمل الذي تقبله اللّه برحمة منه وفضل .
وأن العمل الذي لا يدخل الجنة هو الذي لم يتقبله اللّه .
واللّه يقول :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
( 27 ) [ المائدة : 27 ] .
قوله تعالى :
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ( 77 )
[ 77 ] .
اللام في قوله
لِيَقْضِ
لام الدعاء .
والظاهر أن المعنى ، أن مرادهم بذلك سؤال مالك خازن النار ، أن يدعو اللّه لهم بالموت .
والدليل على ذلك أمران :
الأول : أنهم لو أرادوا دعاء اللّه بأنفسهم أن يميتهم لما نادوا يا مالك ، ولما خاطبوه في قولهم :
رَبُّكَ .
والثاني : أن اللّه بين في سورة المؤمن أن أهل النار ، يطلبون خزنة النار ، أن يدعو اللّه لهم ليخفف عنهم العذاب ، وذلك في قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ
( 49 ) [ غافر : 49 ] . وقوله
لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
أي ليمتنا فنستريح بالموت من العذاب .
ونظيره قوله تعالى :
فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ
[ القصص : 15 ] أي أماته .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
( 77 ) دليل على أنهم لا يجابون إلى الموت بل يمكثون في النار معذبين إلى غير نهاية .
وقد دل القرآن العظيم على أنهم لا يموتون فيها فيستريحوا بالموت ، ولا تغني هي عنهم ، ولا يخفف عنهم عذابها ، ولا يخرجون منها .
أما كونهم لا يموتون فيها الذي دل عليه قوله هنا
قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
( 77 ) فقد دلت عليه آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى :
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
( 74 ) [ طه : 74 ] ، وقوله تعالى :
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
( 13 ) [ الأعلى : 11 - 13 ] . وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا
[ فاطر : 36 ] الآية . وقوله تعالى :
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
[ إبراهيم : 17 ] الآية .
وأما كون النار لا تغني عنهم ، فقد بينه تعالى بقوله :
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
( 97 ) [ الإسراء : 97 ] ، فمن يدعي أن للنار خبوة نهائية وفناء رد عليه بهذه الآية الكريمة .