تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الوجه الرابع : هو أن القول الأول الصحيح ، واضح لا إشكال فيه ، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص بخلاف القول الآخر ، فهو مشكل لا يكاد يصدق ، إلا مع تخصيص ، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس ، وغيره ، ظاهرة البعد والسقوط لأنه على القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى عيسى فلا إشكال ولا خفاء ، ولا حاجة إلى تأويل ، ولا إلى تخصيص . وأما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جدا بالنسبة لكل من فاجأه الموت من أهل الكتاب ، كالذي يسقط من عال إلى أسفل ، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل والذي يموت في نومه ونحو ذلك ، فلا يصدق هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع ، من أهل الكتاب ، إلا إذا ادعى إخراجهم منه بمخصص . ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه من المخصصات المتصلة أو المنفصلة . وما يذكر عن ابن عباس من أنه سئل عن الذي يقطع رأسه من أهل الكتاب فقال إن رأسه يتكلم ، بالإيمان بعيسى ، وأن الذي يهوي من عال إلى أسفل يؤمن به وهو يهوي ، لا يخفى بعده وسقوطه ، وأنه لا دليل البتة عليه كما ترى . وبهذا كله تعلم ، أن الضمير في قوله
قَبْلَ مَوْتِهِ
[ النساء : 159 ] ، راجع إلى عيسى ، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا :
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ
[ الزخرف : 61 ] كما ذكرنا . فإن قيل : إن كثيرا ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي ، ويعتقدون مثل ما يعتقده ، ضلال اليهود والنصارى ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى :
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
[ آل عمران : 55 ] وقوله
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 117 ] . فالجواب أنه لا دلالة في إحدى الآيتين البتة على أن عيسى قد توفي فعلا . أما قوله تعالى :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
[ آل عمران : 55 ] فإن دلالته المزعومة على ذلك منفية من أربعة أوجه : الأول : أن قوله :
مُتَوَفِّيكَ
حقيقة لغوية في أخذ الشيء كاملا غير ناقص ، والعرب تقول : توفي فلان دينه يتوفاه فهو متوف له إذا قبضه وحازه إليه كاملا من غير نقص . فمعنى :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
[ آل عمران : 55 ] في الوضع اللغوي أي حائزك إلي ، كاملا بروحك وجسمك .