ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى :
وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً
[ غافر : 13 ] .
فالرزق مسبب عن المطر والمطر سببه ، فأطلق المسبب الذي هو الرزق وأريد سببه الذي هو المطر للملابسة القوية التي بين السبب والمسبب .
ومعلوم أن البلاغيين ، ومن وافقهم ، يزعمون أن مثل ذلك ، من نوع ما يسمونه المجاز المرسل ، وأن الملابسة بين السبب والمسبب من علاقات المجاز المرسل عندهم .
والثاني من الأمرين أن غاية ما في ذلك ، أن الكلام على حذف مضاف ، والتقدير ، وإنه لذو علم للساعة ، أي وإنه لصاحب إعلام الناس ، بقرب مجيئها ، لكونه علامة لذلك ، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، كثير في القرآن ، وفي كلام العرب ، وإليه أشار في الخلاصة بقوله :
وما يلي المضاف يأت خلفا * عنه في الإعراب إذا ما حذفا
وهذا الأخير أحد الوجهين اللذين وجه بهما علماء العربية النعت بالمصدر كقولك :
زيد كرم وعمرو عدل أي ذو كرم وذو عدل كما قال تعالى :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ الطلاق : 2 ] ، وقد أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله :
ونعتوا بمصدر كثيرا * فالتزموا الإفراد والتذكيرا
أما دلالة القرآن الكريم على هذا القول الصحيح ، ففي قوله تعالى سورة النساء :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
[ النساء : 159 ] أي ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى ، وذلك صريح في أن عيسى حي وقت نزول آية النساء هذه ، وأنه لا يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب .
ومعلوم أنهم لا يؤمنون به إلا بعد نزوله إلى الأرض .
فإن قيل قد ذهبت جماعة من المفسرين ، من الصحابة فمن بعدهم إلى أن الضمير في قوله : قبل موته راجع إلى الكتابي ، أي إلا ليؤمنن به الكتابي قبل موت الكتابي .
فالجواب أن يكون الضمير راجعا إلى عيسى ، يجب المصير إليه ، دون القول الآخر ، لأنه أرجح منه من أربعة أوجه :
الأول : أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه ، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض .
والقول الآخر بخلاف ذلك .
وإيضاح هذا أن اللّه تعالى قال :
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
ثم قال تعالى :
وَما قَتَلُوهُ
أي عيسى ،
وَما صَلَبُوهُ
أي عيسى
وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
أي عيسى
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
أي عيسى
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
أي عيسى
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ
[ النساء : 157 ] أي