المذكورتين .
الوجه الثالث : أن متوفيك ، اسم فاعل توفاه ، إذا قبضه وحازه إليه ، ومنه قولهم :
توفي فلان دينه إذا قبضه إليه ، فيكون معنى متوفيك على هذا ، قابضك منهم إلي حيا ، وهذا القول هو اختيار ابن جرير .
وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أياما ، ثم أحياه فلا معول عليه ، إذ لا دليل عليه .
ا ه . من دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب .
وقد قدمنا في هذا البحث أن دلالة قوله تعالى :
مُتَوَفِّيكَ
[ آل عمران : 55 ] على موت عيسى فعلا ، منفية من أربعة أوجه ، وقد ذكرنا منها ثلاثة ، من غير تنظيم ، أولها أن
مُتَوَفِّيكَ
حقيقة لغوية في أخذه بروحه وجسمه .
الثاني : أن
مُتَوَفِّيكَ
وصف محتمل للحال والاستقبال والماضي ، ولا دليل في الآية على أن ذلك التوفي قد وقع ومضى ، بل السنة المتواترة والقرآن دالان على خلاف ذلك ، كما أوضحنا في هذا المبحث .
الثالث : أنه توفي نوم ، وقد ذكرنا الآيات الدالة على أن النوم يطلق عليه الوفاة ، فكل من النوم والموت ، يصدق عليه اسم التوفي ، وهما مشتركان في الاستعمال العرفي .
فهذه الأوجه الثلاثة ذكرناها كلها في الكلام الذي نقلنا من كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب .
وذكرنا الأول منها بانفراده لنبين مذاهب الأصوليين فيه .
أما قوله تعالى :
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي
[ المائدة : 117 ] الآية ، فدلالته على أن عيسى مات ، منفية من وجهين :
الأول منهما : أن عيسى يقول ذلك يوم القيامة ، ولا شك أن يموت قبل يوم القيامة ، فإخباره يوم القيامة بموته ، لا يدل على أنه الآن قد مات ما لا يخفى .
والثاني منهما : أن ظاهر الآية أنه توفي رفع وقبض للروح والجسد ، لا توفي موت .
وإيضاح ذلك أن مقابلته لذلك التوفي بالديمومة فيهم في قوله :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي
[ المائدة : 117 ] الآية ، تدل على ذلك لأنه لو كان توفي موت ، لقال ما دمت حيا ، فلما توفيتني لأن الذي يقابل بالموت هو الحياة كما في قوله :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
( 31 ) [ مريم : 31 ] .
أما التوفي المقابل بالديمومة فيهم فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم ، إلى موضع آخر .
وغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد