ولكن الحقيقة العرفية خصصت التوفي المذكور بقبض الروح دون الجسم ونحو هذا مما دار بين الحقيقة اللغوية العرفية فيه لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب .
الأول : هو تقديم الحقيقة العرفية ، وتخصيص عموم الحقيقة اللغوية بها .
وهذا هو المقرر في أصول الشافعي وأحمد ، وهو المقرر في أصول مالك إلا أنهم في الفروع ربما لم يعتمدوه في بعض المسائل .
وإلى تقديم الحقيقة العرفية ، على الحقيقة اللغوية أشار في مراقي السعودي بقوله :
واللفظ محمول على الشرعي * إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي ولم يجب * بحث عن المجاز في الذي انتخب
المذهب الثاني : هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية بناء على أن العرفية وإن ترجحت بعرف الاستعمال ، فإن اللغوية مترجحة بأصل الوضع .
وهذا القول مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه .
المذهب الثالث : أنه لا تقدم العرفية على اللغوية ، ولا اللغوية على العرفية ، بل يحكم باستوائهما ومعادلة الاحتمالين فيهما ، فيحكم على اللفظ بأنه مجمل ، لاحتمال هذه واحتمال تلك .
وهذا اختيار ابن السبكي ، ومن وافقه ، وإلى هذين المذهبين الأخيرين أشار في مراقي السعودي بقوله :
ومذهب النعمان عكس ما مضى * والقول بالإجمال فيه مرتضى
وإذا علمت هذا ، فاعلم أنه على المذهب الأول ، الذي هو تقديم الحقيقة اللغوية ، على العرفية ، فإن قوله تعالى :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
[ آل عمران : 55 ] لا يدل إلا على أنه قبضه إليه بروحه وجسمه ، ولا يدل على الموت أصلا ، كما أن توفي الغريم لدينه لا يدل على موت دينه .
وأما على المذهب الثاني : وهو تقديم الحقيقة العرفية على اللغوية ، فإن لفظ التوفي حينئذ ، يدل في الجملة على الموت .
ولكن سترى إن شاء اللّه ، أنه وإن دل على ذلك في الجملة ، لا يدل على أن عيسى قد توفي فعلا .
وقد ذكرنا في كتابنا : دفع إيهام الاضطراب ، عن آيات الكتاب ، في سورة آل عمران ، وجه عدم دلالة الآية ، على موت عيسى فعلا ، أعني قوله تعالى :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
[ آل عمران : 55 ] فقلنا ما نصه :