والجواب عن هذا ، من ثلاثة أوجه :
الأول أن قوله تعالى :
مُتَوَفِّيكَ
لا يدل على تعيين الوقت ، ولا يدل على كونه قد مضى .
وأما عطفه ورافعك إلى ، على قوله : متوفيك ، فلا دليل فيه لإطباق جمهور أهل اللسان العربي ، على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع ، وإنما تقتضي مطلق التشريك .
وقد ادعى السيرافي والسهيلي ، إجماع النحاة على ذلك ، وعزاه الأكثر للمحققين وهو الحق خلافا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه .
وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء وقال لم أجده في كتابه .
وقال ولي الدين : أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي .
حكاه عنه صاحب الضياء اللامع .
وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أبدأ بما بدأ اللّه به » يعني الصفا لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب .
وبيان ذلك هو ما قاله الفهري كما ذكره عنه صاحب الضياء اللامع .
وهو أنها كما أنها لا تقتضي الترتيب ولا المعية ، فكذلك لا تقتضي المنع منهما .
فقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالأول كقوله :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[ البقرة : 158 ] الآية بدليل الحديث المتقدم .
وقد يكون المعطوف بها مرتبا كقول حسان :
* هجوت محمدا وأجبت عنه *
على رواية الواو .
وقد يراد بها المعية كقوله :
فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ
[ العنكبوت : 15 ] وقوله
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
( 9 ) [ القيامة : 9 ] ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية إلا بدليل منفصل .
الوجه الثاني : أن معنى
مُتَوَفِّيكَ
[ آل عمران : 55 ] أي منيمك ورافعك إلي ، أي في تلك النومة .
وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
[ الأنعام : 60 ] ، وقوله :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
[ الزمر : 42 ] ، وعزى ابن كثير هذا القول للأكثرين ، واستدل بالآيتين