تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
وعلى القول الثاني أنهم ضربوا عيسى مثلا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، في أن عيسى قد عبد ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم ، يريد أن يعبد كما عبد عيسى ، فكون سبب ذلك سماعهم لقوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] وسماعهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى يوضح المراد بالمثل . وأما الآيات التي بينت قوله
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا
[ الزخرف : 58 ] فبيانها له واضح على كلا القولين . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ
[ 59 ] . والتحقيق أن الضمير في قوله : هو عائد إلى عيسى أيضا لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام . وقوله هنا :
عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ
لم يبين هنا شيئا من الإنعام الذي أنعم به على عبده عيسى ، ولكنه بين ذلك في المائدة ، في قوله تعالى :
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ
[ المائدة : 110 ] وفي آل عمران ، في قوله تعالى
إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
( 45 ) إلى قوله
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
( 46 ) [ آل عمران : 45 - 46 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها
[ 61 ] . التحقيق أن الضمير في قوله : وإنه راجع إلى عيسى لا إلى القرآن ، ولا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . ومعنى قوله :
لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ
على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم ، والسنة المتواترة ، هو أن نزول عيسى في آخر الزمان ، حيا علم للساعة أي علامة لقرب مجيئها لأنه من أشراطها الدالة على قربها . وإطلاق علم الساعة على نفس عيسى ، جار على أمرين ، كلاهما أسلوب عربي معروف . أحدهما : أن نزول عيسى المذكور ، لما كان علامة لقربها ، كانت تلك العلامة ، سببا لعلم قربها ، فأطلق في الآية المسبب وأريد السبب . وإطلاق المسبب وإرادة السبب ، أسلوب عربي معروف في القرآن ، وفي كلام العرب .