تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
والفواحش بما عنده لهم من الثواب الذي هو خير وأبقى ، جاء موضحا في غير هذا الموضع ، فبين تعالى في سورة النساء أن من ذلك تكفيره تعالى عنهم سيئاتهم ، وإدخالهم المدخل الكريم وهو الجنة في قوله تعالى
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً
( 31 ) [ النساء : 31 ] ، وبين في سورة النجم أنهم باجتنابهم كبائر الإثم والفواحش ، يصدق عليهم اسم المحسنين ووعدهم على ذلك بالحسنى . والأظهر أنها الجنة ، ويدل له حديث « الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه اللّه الكريم » « 1 » في تفسير قوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] كما قدمناه . وآية النجم المذكورة هي قوله تعالى
وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
( 31 ) [ النجم : 31 ] ثم بين المراد بالذين أحسنوا في قوله
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ
[ النجم : 32 ] . وأظهر الأقوال في قوله : إلا اللمم ، أن المراد باللمم صغائر الذنوب ، ومن أوضح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
[ النساء : 31 ] الآية . فدلت على أن اجتناب الكبائر سبب لغفران الصغائر ، وخير ما يفسر به القرآن ، القرآن . ويدل لهذا حديث ابن عباس الثابت في الصحيح : قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « إن اللّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمني وتشتهي والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه » . وعلى هذا القول فالاستثناء في قوله إلا اللمم منقطع ، لأن اللمم الذي هو الصغائر على هذا القول لا يدخل في الكبائر والفواحش ، وقد قدمنا تحقيق المقام في الاستثناء المنقطع . في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً
[ مريم : 62 ] . وقالت جماعة من أهل العلم : الاستثناء متصل فالواو وعليه ، فمعنى إلا اللمم : إلا أن يلم بفاحشة مرة ثم يجتنبها ولا يعود لها بعد ذلك . واستدلوا لذلك بقول الراجز :
إن تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك ما ألما
وروى هذا البيت ابن جرير والترمذي وغيرهما
هامش
( 1 ) أخرجه عن صهيب : مسلم في الإيمان حديث 298 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3105 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 187 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 127 | الشنقيطي