تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
السَّحَرَةُ
لمغالبة موسى
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ
أي : أي شيء أردتم ، لا أعين لكم شيئا . وذلك لأنه جازم بغلبته ، غير مبال بهم ، وبما جاءوا به .
فَلَمَّا أَلْقَوْا
حبالهم وعصيهم ، إذا هي كأنها حيات تسعى ،
قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ
أي : هذا السحر الحقيقي العظيم ، ولكن مع عظمته
إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
. فإنهم يريدون بذلك نصر الباطل على الحقّ ، وأي فساد أعظم من هذا ؟ وهكذا كل مفسد ، عمل عملا ، واحتال كيدا ، أو أتى بمكر ، فإن عمله سيبطل ويضمحل ، وإن حصل لعمله رواج في وقت ما ، فإن مآله الاضمحلال والمحق . وأما المصلحون ، الّذين قصدهم بأعمالهم وجه اللّه تعالى ، وهي أعمال ووسائل نافعة ، مأمور بها ، فإن اللّه يصلح أعمالهم ويرقيها ، وينميها على الدوام ، فألقى موسى عصاه ، فتلقفت جميع ما صنعوا ، فبطل سحرهم ، واضمحل باطلهم .
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
( 82 ) فأذعن السحرة ، حين تبين لهم الحقّ ، فتوعدهم فرعون بالصلب ، وتقطيع الأيدي والأرجل ، فلم يبالوا بذلك وثبتوا على إيمانهم . وأما فرعون وملؤه ، وأتباعهم ، فلم يؤمن منهم أحد ، بل استمروا في طغيانهم يعمهون . ولهذا قال :
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ
أي : شباب من بني إسرائيل ، صبروا على الخوف ، لما ثبت في قلوبهم الإيمان .
عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ
عن دينهم
وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ
أي : له القهر والغلبة فيها ، فحقيق بهم أن يخافوا من بطشته .
وَ
خصوصا
إِنَّهُ
كان
لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
أي : المتجاوزين للحد في البغي والعدوان . والحكمة - واللّه أعلم - بكونه ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ، أن الذرية والشباب ، أقبل للحق ، وأسرع له انقيادا ، بخلاف الشيوخ ونحوهم ، ممن تربى على الكفر فإنهم - بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة - أبعد عن الحقّ من غيرهم . [ 84 ]
وَقالَ مُوسى
موصيا لقومه بالصبر ، ومذكرا لهم ما يستعينون به على ذلك فقال :
يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ
فقوموا بوظيفة الإيمان باللّه .
فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
أي : اعتمدوا عليه ، وألجئوا إليه واستنصروه . [ 85 ]
فَقالُوا
ممتثلين لذلك
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي : تسلطهم علينا ، فيفتنونا ، أو يغلبونا ، فيفتنونا بذلك ، ويقولون : لو كانوا على حق لما غلبوا . [ 86 ]
وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
( 86 ) لنسلم من شرهم ، ولنقيم على ديننا على وجه نتمكن به من إقامة شرائعه ، وإظهاره من غير معارض ، ولا منازع . [ 87 ]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ
حين اشتد الأمر على قومهما من فرعون وقومه ، وحرصوا على فتنتهم عن دينهم .
أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
أي : مروهم أن يجعلوا لهم بيوتا ، يتمكنون بها من الاستخفاء فيها .
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً
أي : اجعلوها محلا ، تصلون فيها ، حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس ، والبيع العامة .
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
فإنها معونة على جميع الأمور ،
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
بالنصر والتأييد ، وإظهار دينهم ، فإن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا ، وإذا اشتد الكرب ، وضاق الأمر ، فرّجه اللّه ، ووسعه ، فلما رأى موسى القسوة والإعراض من فرعون وملئه ، دعا عليهم ، وأمّن هارون على دعائه ، فقال : [ 88 ]
رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً
يتزينون بها من أنواع الحلي والثياب ، والبيوت المزخرفة ، والمراكب الفاخرة ، والخدام ،
وَأَمْوالًا
عظيمة
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
أي : إن أموالهم يستعينون بها على الإضلال في سبيلك ، فيضلّون ويضلّون .
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ
أي : أتلفها عليهم : إما بالهلاك ، وإما بجعلها حجارة ، غير منتفع بها .
وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ
أي : قسّها
فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
. قال ذلك ، غضبا عليهم ، حيث تجرءوا على محارم اللّه ، وأفسدوا عباد اللّه ، وصدوا عن سبيله ، ولكمال معرفته بربه ، بأن اللّه سيعاقبهم على ما فعلوا ، بإغلاق باب الإيمان عليهم . [ 89 ]
قالَ
اللّه تعالى :
قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما
، وهذا دليل على أن موسى كان يدعو ، وهارون يؤمّن على
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 424 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي