تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
بغضه ، وعداوته ، ما هو أعظم من الجبال الرواسي ، وهم أهل القدرة والسطوة ، وهو يقول لهم : اجتمعوا ، أنتم وشركاؤكم ، ومن استطعتم ، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد ، فأوقعوا بي ، إن قدرتم على ذلك ، فلم يقدروا على شيء من ذلك . فعلم أنه الصادق حقا ، وهم الكاذبون فيما يوعدون ، ولهذا قال :
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
عن ما دعوتكم إليه ، فلا موجب لتوليكم ، لأنه تبين أنكم ، لا تولون عن باطل إلى حق ، وإنّما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته إلى باطل قامت الأدلة على فساده . ومع هذا
فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ
على دعوتي ، وعلى إجابتكم فتقولوا : هذا جاءنا ، ليأخذ أموالنا ، فتمتنعون لأجل ذلك .
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
أي : لا أريد الثواب والجزاء ، إلا منه .
وَ
أيضا فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ضده ، بل
أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فأنا أول داخل ، وأول فاعل ، لما أمرتكم به . [ 73 ]
فَكَذَّبُوهُ
بعد ما دعاهم ليلا ونهارا ، سرا وجهارا ، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا ،
فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
الذي أمرناه أن يصنعه بأعيننا ، وقلنا له إذا فار التنور :
احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ
ففعل ذلك . فأمر اللّه السماء أن تمطر بماء منهمر وفجر الأرض عيونا ، فالتقى الماء على أمر قد قدر :
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ
( 13 ) تجري بأعيننا ،
وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ
في الأرض ، بعد إهلاك المكذبين . ثمّ بارك اللّه في ذريته ، وجعل ذريته هم الباقين ، ونشرهم في أقطار الأرض ،
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
بعد ذلك البيان ، وإقامة البرهان .
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
وهو : الهلاك المخزي ، واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن يأتي بعدهم ، لا تسمع فيهم إلا لوما ، ولا ترى إلا قدحا وذما . فليحذر هؤلاء المكذبون ، أن يحل بهم ما حل بأولئك الأقوام المكذبين ، من الهلاك ، والخزي والنكال . [ 74 ] أي :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ
أي : من بعد نوح عليه السّلام
رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ
المكذبين ، يدعونهم إلى الهدى ، ويحذرونهم من أسباب الردى .
فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
أي : كل نبي أيّد دعوته ، بالآيات الدالة على صحة ما جاء به .
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
يعني : أن اللّه تعالى عاقبهم ، حيث جاءهم الرسول ، فبادروا بتكذيبه ، فطبع اللّه على قلوبهم ، وحال بينهم وبين الإيمان بعد أن كانوا متمكنين منه ، كما قال تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
. ولهذا قال هنا :
كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
أي : نختم عليها ، فلا يدخلها خير . وما ظلمهم اللّه ، ولكنهم ظلموا أنفسهم ، بردهم الحقّ ، لما جاءهم ، وتكذيبهم الأول . [ 75 ] أي :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ
أي : من بعد هؤلاء الرسل الّذين أرسلهم اللّه إلى القوم المكذبين المهلكين .
مُوسى
ابن عمران ، كليم الرحمن ، أحد أولي العزم من المرسلين ، وأحد الكبار المقتدى بهم ، المنزل عليهم الشرائع المعظمة الواسعة .
وَ
وجعلنا معه أخاه
هارُونَ
وزيرا وبعثناهما
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
أي : كبار دولته ورؤسائهم ، لأن عامتهم ، تبع للرؤساء .
بِآياتِنا
الدالة على صدق ما جاءا به من توحيد اللّه ، والنهي عن عبادة ما سوى اللّه تعالى ،
فَاسْتَكْبَرُوا
عنها ، ظلما وعلوا ، بعد ما استيقنوها .
وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
أي : وصفهم الإجرام