تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
أي : الذي لا يغني من الحق شيئا
وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
في ذلك ، خرص إفك وبهتان . فإن كانوا صادقين ، في أن معبوداتهم شركاء للّه ، فليظهروا من أوصافها ما تستحق به مثقال ذرة من العبادة ، فلن يستطيعوا . فهل منهم أحد يخلق شيئا ، أو يرزق ، أو يملك شيئا من المخلوقات ، أو يدبر الليل والنهار ، الذي جعله اللّه قياما للناس ؟ . و
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
في النوم والراحة بسبب الظلمة ، التي تغشى وجه الأرض ، فلو استمر الضياء ، لما قرّوا ، ولما سكنوا .
وَ
جعل اللّه
النَّهارَ مُبْصِراً
أي : مضيئا ، يبصر به الخلق ، فينصرفون في معايشهم ، ومصالح دينهم ودنياهم .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
عن اللّه ، سمع فهم ، وقبول ، واسترشاد ، لا سمع تعنت وعناد ، فإن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ، ويستدلون بها على أنه وحده المعبود وأنه الإله الحق ، وأن إلهية ما سواه باطلة ، وأنه الرؤوف الرحيم العليم الحكيم . [ 68 ] يقول تعالى - مخبرا عن بهت المشركين لرب العالمين -
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
، فنزّه نفسه عن ذلك بقوله :
سُبْحانَهُ
أي : تنزه عما يقول الظالمون ، في نسبة النقائص إليه علوا كبيرا ، ثم برهن عن ذلك ، بعدة براهين : أحدها : قوله :
هُوَ الْغَنِيُّ
أي : الغنى منحصر فيه ، وأنواع الغنى مستغرقة فيه ، فهو الغني ، الذي له الغنى التام ، بكل وجه واعتبار ، من جميع الوجوه ، فإذا كان غنيا من كل وجه ، فلأي شيء يتخذ الولد ؟ ا لحاجة منه إلى الولد ، فهذا مناف لغناه ، فلا يتخذ أحد ولدا إلا لنقص في غناه . البرهان الثاني ، قوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
وهذه كلمة جامعة عامة لا يخرج عنها موجود من أهل السماوات والأرض ، الجميع مخلوقون عبيد مماليك . ومن المعلوم أن هذا الوصف العام ، ينافي أن يكون له ولد ، فإن الولد من جنس والده ، لا يكون مخلوقا ولا مملوكا . فملكيته لما في السماوات والأرض عموما ، تنافي الولادة . البرهان الثالث ، قوله :
إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا
أي : هل عندكم من حجة وبرهان يدل على أن للّه ولدا ، فلو كان لهم دليل ، لأبدوه . فلما تحداهم وعجّزهم على إقامة الدليل ، علم بطلان ما قالوه . وأن ذلك قول بلا علم ، ولهذا قال :
أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
فإن هذا من أعظم المحرمات . [ 69 - 70 ]
قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
( 69 ) أي : لا ينالون مطلوبهم ، ولا يحصل لهم مقصودهم ، وإنما يتمتعون في كفرهم وكذبهم في الدنيا ، قليلا ، ثم ينتقلون إلى اللّه ، ويرجعون إليه ، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ،
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
. [ 71 - 72 ] يقول تعالى لنبيّه :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
أي : على قومك
نَبَأَ نُوحٍ
في دعوته لقومه ، حين دعاهم إلى اللّه مدة طويلة ، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا طغيانا فتمللوا منه ، وسئموا ، وهو عليه الصلاة والسلام غير متكاسل ، ولا متوان في دعوتهم ، فقال لهم :
يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ
أي : إن كان مقامي عندكم وتذكيري إياكم ما ينفعكم
بِآياتِ اللَّهِ
الأدلة الواضحة البينة ، قد شق عليكم ، وعظم لديكم ، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق .
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ
أي : اعتمدت على اللّه ، في دفع كل شر يراد بي ، وبما أدعو إليه ، فهذا جندي ، وعدّتي . وأنتم ، فأتوا بما قدرتم عليه ، من أنواع العدد والعدد .
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ
كلكم ، بحيث لا يتخلف منكم أحد ، ولا تدخروا من مجهودكم شيئا .
وَ
أحضروا
شُرَكاءَكُمْ
الذين كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون اللّه رب العالمين .
ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً
أي : مشتبها خفيا ، بل ليكن ذلك ظاهرا علانية .
ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ
أي : اقضوا عليّ بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم ،
وَلا تُنْظِرُونِ
أي : لا تمهلوني ساعة من نهار . فهذا برهان قاطع ، وآية عظيمة على صحة رسالته ، وصدق ما جاء به ، حيث كان وحده ، ولا عشيرة تحميه ، ولا جنود تؤويه . وقد بادأ قومه بتسفيه آرائهم ، وفساد دينهم ، وعيب آلهتهم . وقد حملوا من