تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
موجب ذلك ، ثمّ حصل من تضليل بعضهم لبعض ، وعداوة بعضهم لبعض ، ما هو قرة عين اللعين . وإلا فإذا كان ربهم واحدا ، ورسولهم واحدا ، ودينهم واحدا ، ومصالحهم العامة متفقة ، فلأي شيء يختلفون اختلافا ، يفرق شملهم ، ويشتت أمرهم ، ويحل رابطتهم ونظامهم ، فيفوت من مصالحهم الدينية والدنيوية ما يفوت ، ويموت من دينهم بسبب ذلك ما يموت ؟ فنسألك اللهم لطفا بعبادك المؤمنين ، جمع شملهم ورأب صدعهم ، ورد قاصيهم على دانيهم ، يا ذا الجلال والإكرام . [ 94 ] يقول تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
هل هو صحيح أم غير صحيح ؟
فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ
أي : اسأل أهل الكتاب المنصفين ، والعلماء الراسخين ، فإنهم سيقرون لك بصدق ما أخبرت به ، وموافقته لما معهم . فإن قيل : إن كثيرا من أهل الكتاب ، من اليهود والنصارى ، بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم ، كذبوا رسول اللّه ، وعاندوه ، وردوا عليه دعوته . واللّه تعالى أمر رسوله أن يستشهد بهم ، وجعل شهادتهم حجة لما جاء به ، وبرهانا على صدقه ، فكيف يكون ذلك ؟ فالجواب عن هذا من عدة أوجه : منها : أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة ، أو أهل مذهب ، أو بلد ونحوهم ، فإنها إنّما تتناول العدول الصادقين منهم . وأما من عداهم ، فلو كانوا أكثر من غيرهم ، فلا عبرة فيهم ، لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق ، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين ، ك « عبد اللّه بن سلام » وأصحابه ، وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخلفائه ، ومن بعدهم . ومنها : أن شهادة أهل الكتاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، مبنية على كتابهم التوراة الذي ينتسبون إليه . فإذا كان موجودا في التوراة ، ما يوافق القرآن ويصدقه ، ويشهد له بالصحة ، فلو اتفقوا من أولهم لآخرهم على إنكار ذلك ، لم يقدح بما جاء به الرسول . ومنها : أن اللّه تعالى أمر رسوله أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه ، وظهر ذلك وأعلنه على رؤوس الأشهاد . ومن المعلوم أن كثيرا منهم ، من أحرص الناس على إبطال دعوة الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فلو كان عندهم ما يرد ما ذكره اللّه ، لأبدوه ، وأظهروه وبينوه . فلما لم يكن شيء من ذلك ، كان عدم رد المعادي ، وإقرار المستجيب من أدل الأدلة على صحة هذا القرآن وصدقه . ومنها : أنه ليس أكثر أهل الكتاب رد دعوة الرسول ، بل أكثرهم استجاب لها ، وإنقاذ طوعا واختيارا ، فإن الرسول بعث ، وأكثر أهل الأرض المتدينين أهل الكتاب . فلم يمكث دينه مدة غير كثيرة ، حتى انقاد للإسلام أكثر أهل الشام ، ومصر ، والعراق ، وما جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب ، فلم يبق إلا أهل الرئاسات الّذين آثروا رئاساتهم على الحقّ ، ومن تبعهم من العوام الجهلة ، ومن تدين بدينهم اسما لا معنى ، كالإفرنج الّذين حقيقة أمرهم ، أنهم دهرية منحلون عن جميع أديان الرسل . وإنّما انتسبوا للدين المسيحي ترويجا لملكهم ، وتمويها لباطلهم ، كما يعرف ذلك من عرف أحوالهم البينة الظاهرة . وقوله :
لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ
أي : الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه
مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ
كقوله تعالى :
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
. [ 95 ]
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 95 ) ، وحاصل هذا أن اللّه نهى عن