تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
شيئين : الشك في هذا القرآن والامتراء منه . وأشد من ذلك ، التكذيب به ، وهو آيات اللّه البينات التي لا تقبل التكذيب بوجه ، ورتب على هذا الخسار وهو : عدم الربح أصلا ، وذلك بفوات الثواب ، في الدنيا والآخرة ، وحصول العقاب في الدنيا والآخرة ، والنهي عن الشيء أمر بضده ، فيكون أمرا بالتصديق التام بالقرآن ، وطمأنينة القلب إليه ، والإقبال عليه علما وعملا . فبذلك يكون العبد من الرابحين الّذين أدركوا أجل المطالب ، وأفضل الرغائب ، وأتم المناقب ، وانتفى عنهم الخسار . [ 96 - 97 ] يقول تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
أي : إنهم من الضالين الغاوين أهل النار ، لا بد أن يصيروا إلى ما قدره اللّه وقضاه ، فلا يؤمنون ، ولو جاءتهم كل آية ، فلا تزيدهم الآيات إلا طغيانا ، وغيّا إلى غيهم . وما ظلمهم اللّه ، ولكن ظلموا أنفسهم بردهم للحق لما جاءهم أول مرة ، فعاقبهم اللّه بأن طبع على قلوبهم وأسماعهم ، وأبصارهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم الذي وعدوا به . فحينئذ يعلمون حق اليقين ، أن ما هم عليه هو الضلال ، وأن ما جاءتهم به الرسل هو الحقّ . ولكن في وقت لا يجدي عليهم إيمانهم شيئا ، فيومئذ لا ينفع الّذين ظلموا معذرتهم ، ولا هم يستعتبون ، وأما الآيات ، فإنها تنفع من له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد . [ 98 ] يقول تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ
من قرى المكذبين
آمَنَتْ
حين رأت العذاب
فَنَفَعَها إِيمانُها
أي : لم يكن منهم أحد انتفع بإيمانه ، حين رأى العذاب ، كما قال تعالى عن فرعون ما تقدم قريبا ، لما قال :
آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فقيل له :
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
( 91 ) . وكما قال تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( 84 ) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ
. وقال تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا
. والحكمة في هذا ظاهرة ، فإن الإيمان الاضطراري ، ليس بإيمان حقيقة ، ولو صرف عنه العذاب ، والأمر الذي اضطره إلى الإيمان ، لرجع إلى الكفران . وقوله :
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا
بعد ما رأوا العذاب ،
كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
فهم مستثنون من العموم السابق . ولا بد لذلك من حكمة لعالم الغيب والشهادة ، لم تصل إلينا ، ولم تدركها أفهامنا . قال اللّه تعالى :
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 139 ) إلى قوله :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
( 148 ) ، ولعل الحكمة في ذلك أن غيرهم من المهلكين ، لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه . وأما قوم يونس ، فإن اللّه أعلم أن إيمانهم سيستمر ، بل قد استمر فعلا وثبتوا عليه ، واللّه أعلم . [ 99 ] يقول تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
بأن يلهمهم الإيمان ، ويوزع قلوبهم للتقوى ، فقدرته صالحة لذلك ، ولكنه اقتضت حكمته ، أن كان بعضهم مؤمنين ، وبعضهم كافرين .
أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
أي : لا تقدر على ذلك ، وليس في إمكانك ، ولا قدرة لغير اللّه على شيء من ذلك . [ 100 ]
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
بإرادته ومشيئته ، وإذنه القدري الشرعي ، فمن كان من الخلق قابلا لذلك ، ويزكو عنده الإيمان ، وفقه وهداه .
وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ
أي : الشر والضلال
عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
عن اللّه أوامره ونواهيه ، ولا يلقوا بالا لنصائحه ومواعظه . [ 101 ] يدعو تعالى عباده إلى النظر لما في السماوات والأرض . والمراد بذلك : نظر الفكر والاعتبار والتأمل ، لما فيها وما تحتوي عليه والاستبصار ، فإن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ، وعبرا لقوم يوقنون ، تدل على أن اللّه وحده المعبود المحمود ، ذو الجلال والإكرام ، والأسماء والصفات العظام .
وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
فإنهم لا ينتفعون بالآيات لإعراضهم وعنادهم . [ 102 ]
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : فهل ينتظر هؤلاء الّذين لا يؤمنون بآيات اللّه