تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
والتكذيب . [ 76 - 77 ] [
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا
الذي هو أكبر أنواع الحقّ وأعظمها ، وهو من عند اللّه ، الذي خضعت لعظمته الرقاب ، وهو رب العالمين ، المربي جميع خلقه بالنعم ] « 1 » . فلما جاءهم الحقّ من عند اللّه على يد موسى ، ردّوه فلم يقبلوه ، و
قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ
لم يكفهم - قبحهم اللّه - إعراضهم ولا ردهم إياه ، حتى جعلوه أبطل الباطل ، وهو السحر : الذي حقيقته التمويه ، بل جعلوه سحرا مبينا ، ظاهرا ، وهو الحقّ المبين . ولهذا
قالَ
لهم
مُوسى
- موبخا لهم عن ردهم الحقّ الذي لا يرده إلا أظلم الناس - :
أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ
أي : أتقولون إنه سحر مبين .
أَ سِحْرٌ هذا
أي : فانظروا وصفه ، وما اشتمل عليه ، فبمجرد ذلك يجزم بأنه الحقّ .
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ
لا في الدنيا ، ولا في الآخرة ، فانظروا لمن تكون العاقبة ، ومن له الفلاح ، وعلى يديه النجاح . وقد علموا بعد ذلك ، وظهر لكل أحد ، أن موسى عليه السّلام هو الذي أفلح ، وفاز بظفر الدنيا والآخرة . [ 78 ]
قالُوا
لموسى رادين لقوله بما لا يرد به :
أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
أي : أجئتنا لتصدنا عما وجدنا عليه آباءنا ، من الشرك ، وعبادة غير اللّه ، وتأمرنا بأن نعبد اللّه وحده لا شريك له ؟ فجعلوا قول آبائهم الضالين ، حجة ، يردون بها الحقّ الذي جاءهم به موسى عليه السّلام . وقوله :
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ
أي : وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء ، ولتخرجونا من أراضينا . وهذا تمويه منهم ، وترويح على جهالهم ، وتهييج لعوامهم ، على معاداة موسى ، وعدم الإيمان به . وهذا لا يحتج به ، من عرف الحقائق وميز بين الأمور ، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج والبراهين . وأما من جاء بالحق ، فرد قوله بأمثال هذه الأمور ، فإنها تدل على عجز موردها ، عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء به خصمه ، لأنه لو كان له حجة ، لأوردها ، ولم يلجأ إلى قوله : قصدك كذا ، أو مرادك كذا ، سواء كان صادقا في قوله وإخباره عن قصد خصمه أم كاذبا . مع أن موسى عليه الصلاة والسّلام ، كل من عرف حاله ، وما يدعو إليه ، عرف أنه ليس له قصد في العلو في الأرض . وإنّما قصده ، كقصد إخوانه المرسلين : هداية الخلق ، وإرشادهم لما فيه نفعهم . ولكن حقيقة الأمر ، كما نطقوا به بقولهم :
وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ
أي : تكبرا وعنادا ، لا لبطلان ما جاء به موسى وهارون ، ولا لاشتباه فيه ، ولا لغير ذلك من المعاني ، سوى الظلم والعدوان ، وإرادة العلو الذي رموا به موسى وهارون . [ 79 ]
وَقالَ فِرْعَوْنُ
معارضا للحق الذي جاء به موسى ، ومغالبا لملئه وقومه :
ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ
أي : ماهر بالسحر ، متقن له . [ 80 - 83 ] فأرسل في مدائن مصر ، من أتاه بأنواع السحرة ، على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم .
فَلَمَّا جاءَ
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين أيدينا ، وهو موافق للسياق .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 423 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي