تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
والأقوال ، الظاهرة والباطنة ، التي من قام بها ، فقد قبل النذارة . فهذا القرآن ، فيه النذارة لكم ، أيها المخاطبون ، وكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة ، فإن فيه بيان كل ما يحتاج إليه من المطالب الإلهية . لما بيّن تعالى شهادته ، التي هي أكبر الشهادات على توحيده ، قال : قل لهؤلاء المعارضين لخبر اللّه ، والمكذبين لرسله :
أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ
أي : إن شهدوا ، فلا تشهد معهم . فوازن بين شهادة أصدق القائلين ، ورب العالمين ، وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ، على توحيد اللّه ، وحده لا شريك له ، وشهادة أهل الشرك ، الّذين مرجت عقولهم وأديانهم ، وفسدت آراؤهم وأخلاقهم ، وأضحكوا على أنفسهم العقلاء . بل خالفت شهادتهم فطرهم ، وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع اللّه آلهة أخرى . مع أنه لا يقوم على ما خالفوه أدنى شبهة ، فضلا عن الحجج . واختر لنفسك أي الشهادتين ، إن كنت تعقل . ونحن نختار لأنفسنا ، ما اختاره اللّه لنبيه ، الذي أمرنا اللّه بالاقتداء به فقال :
قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
أي : منفرد ، لا يستحق العبودية والإلهية سواه ، كما أنه المنفرد بالخلق والتدبير .
وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
به ، من الأوثان ، والأنداد ، وكل ما أشرك به مع اللّه . فهذا حقيقة التوحيد ، إثبات الإلهية للّه ونفيها عمّا عداه . [ 20 ] لما بيّن شهادته ، وشهادة رسوله على التوحيد ، وشهادة المشركين ، الّذين لا علم لديهم على ضده ، ذكر أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى .
يَعْرِفُونَهُ
أي : يعرفون صحة التوحيد
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
أي : لا شك عندهم فيه ، بوجه ، كما أنهم لا يشتبهون بأولادهم ، خصوصا البنين الملازمين في الغالب لآبائهم . ويحتمل أن الضمير ، عائد إلى الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن أهل الكتاب لا يشتبهون بصحة رسالته ، ولا يمترون بها ، لما عندهم من البشارات به ، ونعوته التي تنطبق عليه ، ولا تصلح لغيره . والمعنيان متلازمان . قوله :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
أي : فوتوها ما خلقت له ، من الإيمان والتوحيد ، وحرموها الفضل من الملك المجيد
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
. فإذا لم يوجد الإيمان منهم ، فلا تسأل عن الخسار والشر ، الذي يحصل لهم . [ 21 ] أي : لا أعظم ظلما وعنادا ، ممن كان فيه أحد الوصفين ، فكيف لو اجتمعا ، افتراء الكذب على اللّه ، أو التكذيب بآياته ، التي جاء بها المرسلون ، فإن هذا ، أظلم الناس ، والظالم لا يفلح أبدا . ويدخل في هذا ، كل من كذب على اللّه ، بادعاء الشريك له والمعين وزعم أنه ينبغي أن يعبد غيره أو اتخذ له صاحبة أو ولدا ، وكل من رد الحقّ الذي جاءت به الرسل أو من قام مقامهم . [ 22 - 24 ] يخبر تعالى عن مآل أهل الشرك يوم القيامة وأنهم يسألون ويوبخون فيقال لهم :
أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
أي : إن اللّه ليس له شريك ، وإنّما ذلك على وجه الزعم منهم والافتراء
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
أي : لم يكن جوابهم حين يفتنون ويختبرون بذلك السؤال إلا إنكارهم لشركهم وحلفهم أنهم ما كانوا مشركين
انْظُرْ
متعجبا منهم ومن أحوالهم .
كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
أي : كذبوا كذبا عاد بالخسار على أنفسهم وضرهم - واللّه -