تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
ما يجب مقابلته به فاستحقوا العقاب الشديد .
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
أي : فسوف يرون ما استهزءوا به ، أنه الحق والصدق ، ويبين اللّه للمكذبين كذبهم وافتراءهم وكانوا يستهزءون بالبعث والجنة والنار . فإذا كان يوم القيامة قيل للمكذبين :
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
( 14 ) . وقال تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ
( 39 ) . [ 6 ] ثمّ أمرهم أن يعتبروا بالأمم السابقة فقال :
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ
أي : كم تتابع إهلاكنا للأمم المكذبين ، وأمهلناهم قبل ذلك الإهلاك ، بأن
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ
من الأموال والبنين والرفاهية .
وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ
تنبت لهم بذلك ما شاء اللّه ، من زروع وثمار ، يتمتعون بها ، ويتناولون منها ما يشتهون . فلم يشكروا اللّه على نعمه ، بل أقبلوا على الشهوات ، وألهتهم اللذات . فجاءتهم رسلهم بالبينات ، فلم يصدقوها ، بل ردوها وكذبوها
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
أي : فأهلكهم اللّه بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم قرنا آخرين . فهذه سنّة اللّه ودأبه ، في الأمم السابقين واللاحقين . فاعتبروا بمن قص اللّه عليكم نبأهم . [ 7 ] هذا إخبار من اللّه لرسوله عن شدة عناد الكافرين ، وأنه ليس تكذيبهم لقصور فيما جئتهم به ، ولا لجهل منهم بذلك ، وإنّما ذلك ظلم وبغي ، لا حيلة لكم فيه . فقال :
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ
وتيقنوه
لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
ظلما وعدوانا
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
. فأي بينة أعظم من هذه البينة ، وهذا قولهم الشنيع فيها ، حيث كابروا المحسوس ، الذي لا يمكن من له أدنى مسكة من عقل دفعه ؟ [ 8 ]
وَقالُوا
أيضا - تعنتا مبنيا على الجهل ، وعدم العلم بالمعقول .
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
أي : هلا أنزل مع محمد ملك ، يعاونه ويساعده على ما هو عليه بزعمهم أنه بشر ، وأن رسالة اللّه ، لا تكون إلا على أيدي الملائكة . قال اللّه - في بيان رحمته ولطفه بعباده ، حيث أرسل إليهم بشرا منهم يكون الإيمان بما جاء به ، عن علم ، وبصيرة ، وغيب .
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً
برسالتنا ، لكان الإيمان لا يصدر عن معرفة بالحق ولكان إيمانا بالشهادة ، الذي لا ينفع شيئا وحده . وهذا إن آمنوا ، والغالب أنهم لا يؤمنون بهذه الحالة . فلو لم يمنوا
لَقُضِيَ الْأَمْرُ
بتعجيل الهلاك عليهم ، وعدم إنظارهم ، لأن هذه سنّة اللّه ، فيمن طلب الآيات المقترحة ، فلم يؤمن بها . فإرسال الرسول البشري إليهم ، بالآيات البينات ، التي يعلم اللّه أنها أصلح للعباد ، وأرفق بهم ، مع إمهال اللّه للكافرين والمكذبين - خير لهم وأنفع . فطلبهم لإنزال الملك ، شر لهم ، لو كانوا يعلمون . ومع ذلك ، فالملك لو أنزل عليهم ، وأرسل ، لم يطيقوا التلقي عنه ، ولا احتملوا ذلك ، ولا أطاقته قواهم الفانية . [ 9 ]
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
لأن الحكمة لا تقتضي سوى ذلك .
وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
أي : ولكان الأمر ، مختلطا عليهم ، وملبوسا . وذلك بسبب ما لبسوه على أنفسهم ، فإنهم بنوا أمرهم على هذه القاعدة