تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
رسوله بالهدى ودين الحقّ ، وأيده بالآيات البينات ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيّ عن بينة ، وإن اللّه لسميع عليم . [ 38 ] أي : جميع الحيوانات ، الأرضية والهوائية ، من البهائم والوحوش ، والطيور ، كلها أمم أمثالكم خلقناها كما خلقناكم ، ورزقناها كما رزقناكم ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا ، كما كانت نافذة فيكم .
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
أي : ما أهملنا ولا أغفلنا ، في اللوح المحفوظ ، شيئا من الأشياء . بل جميع الأشياء ، صغيرها ، وكبيرها ، مثبتة في اللوح المحفوظ ، على ما هي عليه . فتقع جميع الحوادث ، طبق ما جرى به القلم . وفي هذه الآية ، دليل على أن الكتاب الأول ، قد حوى جميع الكائنات . وهذا أحد مراتب القضاء والقدر ، فإنها أربع مراتب : علم اللّه الشامل ، لجميع الأشياء ، وكتابه المحيط بجميع الموجودات ، ومشيئته وقدرته العامة النافذة في كل شيء ، وخلقه لجميع المخلوقات ، حتى أفعال العباد . ويحتمل أن المراد بالكتاب ، هذا القرآن ، وأن المعنى كالمعنى في قوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
. وقوله :
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
أي : جميع الأمم تجمع وتحشر إلى اللّه في موقف القيامة ، في ذلك الموقف العظيم الهائل . فيجازيهم بعدله وإحسانه ، ويمضي عليهم حكمه الذي يحمده عليه الأولون والآخرون ، أهل السماء وأهل الأرض . [ 39 ] هذا بيان لحال المكذبين بآيات اللّه ، المكذبين لرسله ، أنهم قد سدوا على أنفسهم باب الهدى ، وفتحوا باب الردى . وأنهم
صُمٌّ
عن سماع الحقّ
وَبُكْمٌ
عن النطق به ، فلا ينطقون إلا بالباطل .
فِي الظُّلُماتِ
أي : منغمسون في ظلمات الجهل ، والكفر ، والظلم ، والعناد ، والمعاصي . وهذا من إضلال اللّه إياهم ، فإنه
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
لأنه المنفرد بالهداية والإضلال ، بحسب ما اقتضاه فضله وحكمته . [ 40 ] يقول تعالى لرسوله :
قُلْ
للمشركين باللّه ، العادلين به غيره :
أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي : إذا حصلت هذه المشقات ، وهذه الكروب ، التي يضطر إلى دفعها ، هل تدعون آلهتكم وأصنامكم ، أم تدعون ربكم الملك الحقّ المبين . [ 41 ]
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ
( 41 ) . فإذا كانت هذه حالكم مع أندادكم عند الشدائد ، تنسونهم ، لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا . وتخلصون للّه الدعاء ، لعلمكم أنه هو الضار النافع ، المجيب لدعوة المضطر . فما بالكم في الرخاء ، تشركون به ، وتجعلون له شركاء ؟ هل دلكم على ذلك ، عقل أو نقل ، أم عندكم من سلطان بهذا ؟ أم تفترون على اللّه الكذب ؟ [ 42 ] يقول تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
من الأمم السالفين ، والقرون المتقدمين ، فكذبوا رسلنا ، وجحدوا بآياتنا .
فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
أي : بالفقر والمرض والآفات ، والمصائب ، رحمة منا بهم .
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
إلينا ، ويلجئون عند الشدة إلينا . [ 43 ]
فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ
أي : استحجرت فلا تلين للحق .
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ