تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وزر يثقلهم ، ولا يقدرون على التخلص منه ، ولهذا خلدوا في النار ، واستحقوا التأبيد في غضب الجبار . [ 32 ] أما حقيقة الدنيا : فإنها لعب ولهو ، لعب في الأبدان ، ولهو في القلوب . فالقلوب لها وآلهة ، والنفوس لها عاشقة ، والهموم فيها متعلقة ، والاشتغال بها ، كلعب الصبيان . وأما الآخرة ، فإنها
خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
في ذاتها وصفاتها ، وبقائها ودوامها . وفيها ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين ، من نعيم القلوب والأرواح ، وكثرة السرور والأفراح . ولكنها ليست لكل أحد ، وإنّما هي للمتقين ، الّذين يفعلون أوامر اللّه ، ويتركون نواهيه وزواجره .
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أي : أفلا يكون لكم عقول ، بها تدركون ، أي الدارين أحق بالإيثار . [ 33 ] أي : قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك ، يحزنك ويسوؤك . ولم نأمرك بما أمرناك به من الصبر ، إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية . فلا تظن أن قولهم ، صادر عن اشتباه في أمرك ، وشك فيك .
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
لأنهم يعرفون صدقك ، ومدخلك ومخرجك ، وجميع أحوالك ، حتى إنهم كانوا يسمونه - قبل بعثته - الأمين .
وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
أي : فإن تكذيبهم لآيات اللّه ، التي جعلها اللّه على يديك . [ 34 ]
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا
. فاصبر كما صبروا ، تظفر كما ظفروا .
وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ
ما به يثبت فؤادك ، ويطمئن به قلبك . [ 35 ]
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
أي : شق عليك ، من حرصك عليهم ، ومحبتك لإيمانهم ، فابذل وسعك في ذلك ، فليس في مقدورك ، أن تهدي من لم يرد اللّه هدايته .
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ
أي : فافعل ذلك ، فإنه لا يفيدهم شيئا . وهذا قطع لطمعه في هداية أشباه هؤلاء المعاندين .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
ولكن حكمته تعالى ، اقتضت أنهم يبقون على الضلال .
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ
الّذين لا يعرفون حقائق الأمور ، ولا ينزلونها على منازلها . [ 36 ] يقول تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ
لدعوتك ، ويلبي رسالتك ، وينقاد لأمرك ونهيك
الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
بقلوبهم ، ما ينفعهم وهم أولو الألباب والأسماع . والمراد بالسماع هنا : سماع القلب والاستجابة ، وإلا فمجرد سماع الأذن ، يشترك فيه البر والفاجر . فكل المكلفين قد قامت عليهم حجة اللّه تعالى ، باستماع آياته ، فلم يبق لهم عذر ، في عدم القبول .
وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
يحتمل أن المعنى ، مقابل للمعنى المذكور . أي : إنّما يستجيب لك أحياء القلوب . وأما أموات القلوب ، الّذين لا يشعرون بسعادتهم ، ولا يحسون بما ينجيهم ، فإنهم لا يستجيبون لذلك ، ولا ينقادون ، وموعدهم يوم القيامة ، يبعثهم اللّه ، ثمّ إليه يرجعون . ويحتمل أن المراد بالآية ، على ظاهرها ، وأن اللّه تعالى يقرر المعاد ، وأنه سيبعث الأموات يوم القيامة ثمّ ينبئهم بما كانوا يعملون . ويكون هذا ، متضمنا للترغيب في الاستجابة ، للّه ورسوله ، والترهيب من عدم ذلك . [ 37 ]
وَقالُوا
أي : المكذبون بالرسول ، تعنتا وعنادا :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
. يعنون بذلك ، آيات الاقتراح ، التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة ، وآرائهم الكاسدة . كقولهم :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا
الآيات .
قُلْ
مجيبا لقولهم :
إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً
فليس في قدرته قصور عن ذلك . كيف ، وجميع الأشياء منقادة لعزته ، مذعنة لسلطانه ؟
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
فهم - لجهلهم وعدم علمهم - يطلبون ما هو شر لهم من الآيات ، التي لو جاءتهم ، فلم يؤمنوا بها - لعوجلوا بالعقاب ، كما هي سنّة اللّه ، التي لا تبديل لها . ومع هذا ، فإن كان قصدهم ، الآيات التي تبين لهم الحقّ ، وتوضح السبيل . فقد أتى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بكل آية قاطعة ، وحجة ساطعة ، دالة على ما جاء به من الحقّ ، بحيث يتمكن العبد في كل مسألة من مسائل الدين ، أن يجد فيما جاء به ، عدة أدلة عقلية ونقلية ، بحيث لا يتبقى في القلوب ، أدنى شك وارتياب . فتبارك الذي أرسل