تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
التي فيها اللبس ، وعدم بيان الحقّ . فلما جاءهم الحقّ ، بطرقه الصحيحة ، وقواعده التي هي قواعده ، لم يكن ذلك هداية لهم ، إذا اهتدى بذلك غيرهم . والذنب ذنبهم ، حيث أغلقوا على أنفسهم باب الهدى ، وفتحوا أبواب الضلال . [ 10 ] يقول تعالى - مسليا لرسوله ، ومصبرا ومتهددا أعداءه ، ومتوعدا .
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ
لما جاءوا أممهم بالبينات ، كذبوهم واستهزءوا بهم ، وبما جاءوا به . فأهلكهم اللّه بذلك الكفر والتكذيب ، ووفر لهم من العذاب أكمل نصيب .
فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
فاحذروا - أيها المكذبون - أن تستمروا على تكذيبكم ، فيصيبكم ما أصابكم . [ 11 ]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
أي : فإن شككتم في ذلك ، أو ارتبتم ، فسيروا في الأرض ، ثمّ انظروا ، كيف كان عاقبة المكذبين ، فلن تجدوا إلا قوما مهلكين ، وأمما في المثلاث تالفين . قد أوحشت منهم المنازل ، وعدم من تلك الربوع كل متمتع بالسرور نازل . أبادهم الملك الجبار ، وكان نبأهم عبرة لأولي الأبصار . وهذا السير المأمور به ، سير القلوب والأبدان ، الذي يتولد منه الاعتبار . وأما مجرد النظر من غير اعتبار ، فإن ذلك لا يفيد شيئا . [ 12 ] يقول تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
قُلْ
لهؤلاء المشركين ، مقررا لهم وملزما بالتوحيد :
لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : من الخالق لذلك ، المالك له ، المتصرف فيه ؟
قُلْ
لهم :
لِلَّهِ
وهم مقرون بذلك لا ينكرونه ، أفلا حين اعترفوا بانفراد اللّه ، بالملك والتدبير أن يعترفوا له بالإخلاص والتوحيد ؟ وقوله :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
أي : العالم العلوي والسفلي ، تحت ملكه وتدبيره ، وهو تعالى ، قد بسط عليهم رحمته وإحسانه ، وتغمدهم برحمته وامتنانه ، وكتب على نفسه كتابا « أن رحمته تغلب غضبه » و « أن العطاء أحب إليه من المنع » و « أن اللّه قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة ، إن لم يغلقوا عليهم أبوابها بذنوبهم ، ودعاهم إليها ، إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم » . وقوله :
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ
وهذا قسم منه ، وهو أصدق المخبرين . وقد أقام على ذلك ، من الحجج والبراهين . ما يجعله حق اليقين . ولكن أبى الظالمون إلا جحودا ، وأنكروا قدرة اللّه على بعث الخلائق ، فأوضعوا في معاصيه ، وتجرءوا على الكفر به ، فخسروا دنياهم وأخراهم . ولهذا قال :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
. [ 13 ] اعلم أن هذه السورة الكريمة ، قد اشتملت على تقرير التوحيد ، بكل دليل عقلي ، ونقلي . بل كادت أن تكون كلها ، في شأن التوحيد ، ومجادلة المشركين باللّه ، المكذبين لرسوله . فهذه الآيات ، ذكر اللّه فيها ، ما يتبين به الهدى ، وينقمع به الشرك . فذكر أن
لَهُ
تعالى
ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
. وذلك هو المخلوقات كلها ، من آدميها ، وجنّها ، وملائكتها ، وحيواناتها وجماداتها . فالكل خلق مدبرون ، وعبيد مسخرون لربهم العظيم ، القاهر المالك . فهل يصح في عقل ونقل ، أن يعبد من هؤلاء المماليك ، الذي لا نفع عنده ولا ضر ؟ ويترك الإخلاص للخالق ، المدبر المالك ، الضار النافع ؟ أم العقول السليمة ، والفطر المستقيمة ، تدعو إلى إخلاص العبادة ، والحب ، والخوف ،