تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣

سورة الأنعام

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] هذا إخبار عن حمده والثناء عليه ، بصفات الكمال ، ونعوت العظمة والجلال عموما ، وعلى هذه المذكورات خصوصا . فحمد نفسه على خلقه السماوات والأرض ، الدالة على كمال قدرته ، وسعة علمه ورحمته ، وعموم حكمته ، وانفراده بالخلق والتدبير ، وعلى جعله الظلمات والنور . وذلك شامل للحسي من ذلك ، كالليل والنهار ، والشمس والقمر . والمعنوي ، كظلمات الجهل ، والشك ، والشرك ، والمعصية ، والغفلة ، ونور العلم والإيمان ، واليقين ، والطاعة . وهذا كله ، يدل دلالة قاطعة أنه تعالى ، هو المستحق للعبادة ، وإخلاص الدين له . ومع هذا الدليل ووضوح البرهان
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
به سواه . يسوونهم به في العبادة والتعظيم ، مع أنهم لم يساووا اللّه في شيء من الكمال ، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كل وجه . [ 2 ]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
وذلك بخلق مادتكم وأبيكم آدم عليه السّلام .
ثُمَّ قَضى أَجَلًا
أي : ضرب لمدة إقامتكم في هذه الدار أجلا ، فتمتعون به وتمتحنون ، وتبتلون بما يرسل إليك به رسله .
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا *
ويعمركم ما يتذكر فيه من تذكر .
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
وهي : الدار الآخرة ، التي ينتقل العباد إليها من هذه الدار ، فيجازيهم بأعمالهم من خير وشر .
ثُمَّ
مع هذا البيان التام وقطع الحجة
أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ
أي : تشكّون في وعد اللّه ووعيده ، ووقوع الجزاء يوم القيامة . وذكر اللّه الظلمات بالجمع ، لكثرة موادها ، وتنوع طرقها . ووحّد النور ، لكون الصراط الموصلة إلى اللّه واحدة ، لا تعدد فيها ، وهي : الصراط المتضمنة للعلم بالحق ، والعمل به كما قال تعالى :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
. [ 3 ] أي : وهو المألوه المعبود ، في السماوات وفي الأرض ، فأهل السماء والأرض ، متعبدون لربهم ، خاضعون لعظمته ، مستكينون لعزه وجلاله ، الملائكة المقربون ، والأنبياء ، والمرسلون ، والصديقون ، والشهداء ، والصالحون . وهو تعالى ، يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ، فاحذروا معاصيه وارغبوا في الأعمال ، التي تقربكم منه ، وتدنيكم من رحمته ، واحذروا من كل عمل يبعدكم عنه ، ومن رحمته . [ 4 ] هذا إخبار منه تعالى ، عن إعراض المشركين ، وشدة تكذيبهم وعداوتهم ، وأنهم لا تنفع فيهم الآيات ، حتى تحل بهم المثلاث فقال :
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ
الدالة على الحقّ دلالة قاطعة ، الداعية لهم إلى اتباعه وقبوله .
إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ
لا يلقون له بالا ، ولا يصغون لها سمعا ، قد انصرفت قلوبهم إلى غيرها ، وولوها أدبارهم . [ 5 ]
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ
والحقّ حقه ، أن يتبع ، ويشكر اللّه على تيسيره لهم ، وإتيانهم به . فقابلوه بضد
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 273 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي