تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
المقربون ، ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم ، له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية . وإنّما الجميع عباد ، مدبرون ، وخلق مسخرون ، وفقراء عاجزون .
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
فأنت أعلم بما صدر مني .
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
وهذا من كمال أدب المسيح عليه الصلاة والسّلام ، في خطابه لربه . فلم يقل عليه السّلام : « لم أقل شيئا من ذلك » . وإنّما أخبر بكلام ينفي عن نفسه ، أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف ، وأن هذا من الأمور المحالة . ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه ، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة . [ 117 ] ثمّ صرّح بذكر ما أمر به بني إسرائيل فقال :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
فأنا عبد متبع لأمرك ، لا متجرئ على عظمتك .
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
أي : ما أمرتهم إلا بعبادة اللّه وحده ، وإخلاص الدين له ، المتضمن للنهي ، عن اتخاذي وأمي إلهين ، من دون اللّه ، وبيان أني عبد مربوب ، فكما أنه ربكم فهو ربي .
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ
أشهد على من قام بهذا الأمر ، ممن لم يقم به .
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
أي : المطلع على سرائرهم وضمائرهم .
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
علما وسمعا وبصرا . فعلمك قد أحاط بالمعلومات ، وسمعك بالمسموعات ، وبصرك بالمبصرات ، فأنت الذي تجازي عبادك ، بما تعلمه فيهم من خير وشر . [ 118 ]
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
وأنت أرحم بهم من أنفسهم ، وأعلم بأحوالهم ، فلو لا أنهم عباد متمردون ، لم تعذبهم .
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أي : فمغفرتك صادرة عن تمام عزة وقدرة ، لا كمن يغفر ويعفو ، عن عجز وعدم قدرة . الحكيم حيث كان من مقتضى حكمتك ، أن تغفر لمن أتى بأسباب المغفرة . [ 119 ]
قالَ اللَّهُ
مبينا لحال عباده يوم القيامة ، ومن الفائز منهم ، ومن الهالك ، من الشقي ، ومن السعيد .
هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
والصادقون هم الّذين استقامت أعمالهم وأقوالهم ، ونياتهم ، على الصراط المستقيم ، والهدى القويم . فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق ، إذا أحلهم اللّه في مقعد صدق ، عن مليك مقتدر . ولهذا قال :
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
. والكاذبون بضدهم ، سيجدون ضرر كذبهم وافترائهم ، وثمرة أعمالهم الفاسدة . [ 120 ]
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ
لأنه الخالق لهما والمدبر لذلك بحكمه القدري ، وحكمه الشرعي ، وحكمه الجزائي ، ولهذا قال :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فلا يعجزه شيء ، بل جميع الأشياء منقادة لمشيئته ، ومسخرة بأمره .