تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
شكرها ، والقيام بها . فقام بها عليه السّلام ، أتم القيام ، وصبر كما صبر إخوانه ، من أولي العزم . [ 111 ] أي : واذكر نعمتي عليك ، إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا . فأوحيت إلى الحواريين أي : ألهمتهم ، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي ، وأوحيت إليهم على لسانك ، أي : أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند اللّه . فأجابوا لذلك وانقادوا ، وقالوا : آمنا ، واشهد بأننا مسلمون . فجمعوا بين الإسلام الظاهر ، والانقياد بالأعمال الصالحة والإيمان الباطن ، المخرج لصاحبه من النفاق ، ومن ضعف الإيمان . والحواريون هم : الأنصار ، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ *
. [ 112 ]
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
أي : مائدة فيها طعام . وهذا ليس منهم عن شك في قدرة اللّه ، واستطاعته على ذلك . وإنّما ذلك ، من باب العرض والأدب منهم . ولما كان سؤال آيات الاقتراح ، منافيا للانقياد للحق ، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ، ربما أوهم ذلك ، وعظهم عيسى عليه السّلام فقال :
اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
فإن المؤمن ، يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى ، وأن ينقاد لأمر اللّه ، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها . [ 113 ] فأخبر الحواريون ، أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى ، وإنّما لهم مقاصد صالحة . لأجل الحاجة إلى ذلك
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها
وهذا دليل على أنهم محتاجون لها .
وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا
بالإيمان ، حين نرى الآيات العيانية ، حتى يكون الإيمان عين اليقين . كما سأل الخليل ، عليه الصلاة والسّلام ربه ، أن يريه كيف يحيي الموتى
قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
. فالعبد محتاج إلى زيادة العلم ، واليقين ، والإيمان كل وقت ، ولهذا قال :
وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا
أي : نعلم صدق ما جئت به ، أنه حق وصدق .
وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ
فتكون مصلحة لمن بعدنا . نشهدها لك ، فتقوم الحجة ، ويحصل زيادة البرهان بذلك . [ 114 ] فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسّلام ذلك ، وعلم مقصودهم ، أجابهم إلى طلبهم في ذلك . فقال :
اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ
أي : يكون وقت نزولها ، عيدا وموسما ، يتذكر به هذه الآية العظمة ، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات ، وتكرر السنين . كما جعل اللّه تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم ، مذكرة لآياته ، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة ، وفضله وإحسانه عليهم .
وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
أي : اجعلها لنا رزقا . فسأل عيسى عليه السّلام نزولها أن تكون لهاتين المصلحتين ، مصلحة الدين ، بأن تكون آية باقية ، ومصلحة الدنيا ، وهي : أن تكون رزقا . [ 115 ]
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر ، عنادا وظلما ، فاستحق العذاب الأليم ، والعقاب الشديد . واعلم أن اللّه تعالى وعد أنه سينزلها ، وتوعدهم - إن كفروا - بهذا الوعيد . ولم يذكر أنه أنزلها . فيحتمل أنه لم ينزلها ، بسبب أنهم لم يختاروا ذلك . ويدل على ذلك ، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى ، ولا له وجود . ويحتمل أنها نزلت ، كما وعد اللّه ، وأنه لا يخلف الميعاد . ويكون عدم ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم ، من الحظ الذي ذكروا به فنسوه . أو أنه لم يذكر في الإنجيل أصلا ، وإنّما ذلك كان متوارثا بينهم ، ينقله الخلف عن السلف ، فاكتفى اللّه بذلك ، عن ذكره في الإنجيل . ويدل على هذا المعنى قوله :
وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ
واللّه أعلم بحقيقة الحال . [ 116 ]
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
. وهذا توبيخ للنصارى ، الّذين قالوا : إن اللّه ثالث ثلاثة فيقول اللّه هذا الكلام لعيسى . فيتبرأ منه عيسى ويقول :
سُبْحانَكَ
عن هذا الكلام القبيح ، وعمّا لا يليق بك .
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : ما ينبغي لي ، ولا يليق أن أقول شيئا ، ليس من أوصافي ، ولا من حقوقي . فإنه ليس أحد من المخلوقين ، لا الملائكة