تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
فينبغي له ، أن يكتب وصيته ، ويشهد عليها اثنين ، ذوي عدل ، ممن يعتبر شهادتهما .
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
أي : من غير أهل دينكم ، من اليهود ، أو النصارى ، أو غيرهم ، وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين .
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
أي : سافرتم فيها .
فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ
أي : فأشهدوهما . ولم يأمر بإشهادهما ، إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول ، ويؤكد عليهما ، أن يحبسا
مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ
التي يعظمونها .
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ
أنهما صدقا ، وما غيرا ، ولا بدّلا . هذا
إِنِ ارْتَبْتُمْ
في شهادتهما ، فإن صدقتموها ، فلا حاجة إلى القسم بذلك . ويقولان :
لا نَشْتَرِي بِهِ
أي : بأيماننا
ثَمَناً
بأن نكذب فيها ، لأجل عرض من الدنيا .
وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
فلا نراعيه لأجل قربه منا
وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ
بل نؤديها على ما سمعناها
إِنَّا إِذاً
أي : إن كتمناها
لَمِنَ الْآثِمِينَ
. [ 107 ]
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا
أي : الشاهدين
اسْتَحَقَّا إِثْماً
بأن وجد من القرآن ، ما يدل على كذبهما ، وأنهما خانا ، فآخران يقومان مقامهما ، من الّذين استحق عليهما الأوليان . أي : فليقم رجلان من أولياء الميت ، وليكونا من أقرب الأولياء إليه .
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما
أي : أنهما كذبا ، وغيرا ، وخانا .
وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ
أي : إن ظلمنا واعتدينا ، وشهدنا بغير الحقّ . [ 108 ] قال اللّه تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة ، وتأكيدها ، وردها على أولياء الميت ، حين تظهر من الشاهدين الخيانة .
ذلِكَ أَدْنى
أي : أقرب
أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها
حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات .
أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ
أي : أن لا تقبل أيمانهم ، ثمّ ترد على أولياء الميت .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
أي : الّذين وصفهم الفسق ، فلا يريدون الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم . وحاصل هذا ، أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه ، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين - أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين . فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين ، جاز أن يوصي إليهما . ولكن لأجل كفرهما ، فإن الأولياء ، إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة ، أنهما ما خانا ، ولا كذبا ، ولا غيّرا ، ولا بدّلا ، فيبرءان بذلك من حق يتوجه إليهما . فإن لم يصدقوهما ، ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين فإن شاء أولياء الميت ، فليقم منهم اثنان ، فيقسمان باللّه : لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين ، وأنهما خانا وكذبا ، فيستحقون منهما ما يدعون . وهذه الآيات الكريمة ، نزلت في قصة « تميم الداري » و « عدي بن بداء » المشهورة حين أوصى لهما العدوي ، واللّه أعلم . ويستدل بالآيات الكريمات ، على عدة أحكام : منها : أن الوصية مشروعة ، وأنه ينبغي لمن حضره الموت ، أن يوصي . ومنها : أنها معتبرة ، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلامته ، ما دام عقله ثابتا . منها : أن شهادة الوصية ، لا بد فيها من اثنين عدلين . ومنها : أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها ، مقبولة لوجود الضرورة . وهذا مذهب الإمام أحمد . وزعم كثير من أهل العلم : أن هذا الحكم منسوخ . وهذه دعوى لا دليل عليها . ومنها : أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه ، أن شهادة الكفار - عند عدم غيرهم ، حتى في غير هذه المسألة - مقبولة ، كما ذهب إلى ذلك ، شيخ الإسلام ابن تيمية .