تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
القذف ، وكل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفا هذا هو حاصل حجة من قالوا : بأن التعريض بالقذف ، لا يوجب الحد وإنما يجب الحد بالتصريح بالقذف . وذهبت جماعة آخرون من أهل العلم : إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد ، وهو مذهب مالك وأصحابه ، وقال ابن قدامة في المغني : وروى الأثرم وغيره ، عن الإمام أحمد أن عليه الحد يعني المعرض بالقذف ، قال : وروي ذلك عن عمر رضي اللّه عنه ، وبه قال إسحاق إلى أن قال : وقال معمر : إن عمر كان يجلد الحد في التعريض . ا ه . واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما ذكره القرطبي ، قال : والدليل لما قاله مالك : هو أن موضوع الحد في القذف ، إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف ، وإذا حصلت المعرة بالتعريض ، وجب أن يكون قذفا كالتصريح والمعول على الفهم ، وقد قال تعالى مخبرا عن قوم شعيب أنهم قالوا له :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
( 87 ) [ هود : 87 ] أي السفيه الضال ، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسب ما تقدم في سورة هود ، وقال تعالى في أبي جهل
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
( 49 ) [ الدخان : 49 ] ، وقال تعالى في الذين قذفوا مريم : إنهم قالوا :
يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
( 28 ) [ مريم : 28 ] فمدحوا أباها ، ونفوا عن أمها البغاء أي الزنى وعرضوا لمريم بذلك ولذلك قال تعالى :
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً
( 156 ) [ النساء : 156 ] وكفرهم معروف والبهتان العظيم هو التعريض لها أي ما كان أبوك امرأ سوء ، وما كانت أمك بغيا : أي أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد ، وقال تعالى :
* قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 24 ) [ سبأ : 24 ] فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على الهدى ، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه ا ه . محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لإيضاح المراد . وحاصل كلام القرطبي المذكور : أن من أدلة القائلين بوجوب الحد بالتعريض آيات قرآنية ، وبين وجه دلالتها على ذلك كما رأيته ، وذكر أن من أدلتهم أن المعرة اللاحقة للمقذوف صريحا تلحقه بالتعريض له بالقذف ، ولذلك يلزم استواؤهما ، وذكر أن من أدلتهم أن المعول على الفهم ، والتعريض يفهم منه القذف فيلزم أن يكون كالصريح . ومن أدلتهم على أن التعريض يجب به الحد بعض الآثار المروية عن بعض الخلفاء الراشدين . قال ابن قدامة في المغني : لأن عمر رضي اللّه عنه حين شاورهم في الذي قال لصاحبه : ما أنا بزان ، ولا أمي بزانية : فقالوا : قد مدح أباه ، وأمه . فقال عمر : قد عرض بصاحبه وجلده الحد « 1 » . وقال معمر : إن عمر كان يجلد الحد في
هامش
( 1 ) أخرجه عن عمرة بنت عبد الرحمن : مالك في الحدود ، باب الحد في القذف والنفي والتعريض -
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 65 | الشنقيطي