تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
إِسْرائِيلَ
[ المائدة : 32 ] الآية . أن الحر إذا قذف عبدا لا يحد له ، وذلك ثابت في الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من قذف عبده بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال » « 1 » ا ه . وقوله صلى اللّه عليه وسلّم في هذا الحديث الصحيح : « أقيم عليه الحد يوم القيامة » يدل على أنه لا يقام عليه الحد في الدنيا وهو كذلك ، وهذا لا نزاع فيه بين من يعتد به من أهل العلم . قال القرطبي : قال العلماء : وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد ، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى ، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة ، واقتص لكل واحد من صاحبه إلا أن يعفو المظلوم انتهى محل الغرض من كلام القرطبي .

المسألة الخامسة : [ إن عرض ولم يصرح بالقذف ، وكان تعريضه يفهم منه بالقرائن أنه يقصد القذف ]

اعلم أن العلماء أجمعوا على أنه إذا صرح في قذفه له بالزنى كان قذفا ورميا موجبا للحد ، وأما إن عرض ولم يصرح بالقذف ، وكان تعريضه يفهم منه بالقرائن أنه يقصد قذفه ، كقوله : أما أنا فلست بزان ، ولا أمي بزانية ، أو ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنى ، أو يا حلال بن الحلال ، أو نحو ذلك . فقد اختلف أهل العلم : هل يلزم حد القذف بالتعريض المفهم للقذف ، وإن لم يصرح أو لا يحد حتى يصرح بالقذف تصريحا واضحا لا احتمال فيه ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التعريض لا يوجب الحد ، ولو فهم منه إرادة القذف ، إلا أن يقر أنه أراد به القذف . قال ابن قدامة في المغني : وهذا القول هو رواية حنبل عن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام الخرقي ، واختيار أبي بكر ، وبه قال عطاء ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، والثوري ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ، وابن المنذر ، واحتج أهل هذا القول بكتاب وسنة . أما الكتاب فقوله تعالى :
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ
[ البقرة : 235 ] ، ففرق تعالى بين التصريح للمعتدة ، والتعريض قالوا : ولم يفرق اللّه بينهما في كتابه ، إلا لأن بينهما فرقا ، ولو كانا سواء لم يفرق بينهما في كتابه . وأما السنة : فالحديث المتفق عليه ، الذي قدمناه مرارا في الرجل الذي جاء النبي صلى اللّه عليه وسلّم وقال له : إن امرأتي ولدت غلاما أسود وهو تعريض بنفيه ، ولم يجعل النبي صلى اللّه عليه وسلّم هذا قذفا ، ولم يدعهما للعان بل قال للرجل « ألك إبل ؟ قال نعم : قال : فما ألوانها ؟ قال : حمر قال : هل فيها من أورق ؟ قال : إن فيها لورقا قال : ومن أين جاءها ذلك ؟ قال لعل عرقا نزعه قال : وهذا الغلام الأسود لعل عرقا نزعه » « 2 » قالوا : ولأن التعريض محتمل لمعنى آخر غير
هامش
( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .