تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣

المسألة الثالثة : [ حكم من قذف إنسانا بغير الزنى أو نفي النسب ]

اعلم أن من قذف إنسانا بغير الزنى أو نفي النسب كأن يقول له : يا فاسق ، أو يا آكل الربى ، ونحو ذلك من أنواع السب يلزمه التعزير ، وذلك بما يراه الإمام رادعا له ، ولأمثاله من العقوبة من غير تحديد شيء في ذلك من جهة الشرع . وقال بعض أهل العلم : لا يبلغ بالتعزير قدر الحد . وقال بعض العلماء : إن التعزير بحسب اجتهاد الإمام فيما يراه رادعا مطلقا . والعلم عند اللّه تعالى .

المسألة الرابعة : [ إذا قذف العبد حرا ]

اعلم أن جمهور العلماء على أن العبد إذا قذف حرا يجلد أربعين ، لأنه حد يتشطر بالرق كحد الزنى . قال القرطبي « 1 » : وروي عن ابن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز ، وقبيصة بن ذؤيب : يجلد ثمانين ، وجلد أبو بكر بن محمد عبدا قذف حرا ثمانين ، وبه قال الأوزاعي ، واحتج الجمهور بقوله تعالى :
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
[ النساء : 25 ] ، وقال الآخرون : فهمنا هناك أن حد الزنى اللّه ، وأنه ربما كان أخف فيمن قلّت نعم اللّه عليه ، وأفحش فيمن عظمت نعم اللّه عليه . وأما حد القذف فهو حق للآدمي وجب للجناية على عرض المقذوف ، والجناية لا تختلف بالرق والحرية ، وربما قالوا لو كان يختلف لذكر كما في الزنى . قال ابن المنذر : والذي عليه علماء الأمصار القول الأول وبه أقول . انتهى كلام القرطبي . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر القولين عندي دليلا : أن العبد إذا قذف حرا جلد ثمانين لا أربعين ، وإن كان هذا مخالفا لجمهور أهل العلم ، وإنما استظهرنا جلده ثمانين ، لأن العبد داخل في عموم :
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
ولا يمكن إخراجه من هذا العموم ، إلا بدليل ولم يرد دليل يخرج العبد من هذا العموم لا من كتاب ولا من سنة ، ولا من قياس ، وإنما ورد النص على تشطير الحد عن الأمة في حد الزنى وألحق العلماء بها العبد بجامع الرق ، والزنى غير القذف . أما القذف فلم يرد فيه نص ولا قياس في خصوصه . وأما قياس القذف على الزنى فهو قياس مع وجود الفارق ، لأن القذف جناية على عرض إنسان معين ، والردع عن الأعراض حق للآدمي فيردع العبد كما يردع الحر ، والعلم عند اللّه تعالى .

تنبيه

قد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى :
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 12 / 174 .