تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
بعض المتأخرين ، كابن الحاجب من المالكية ، والغزالي من الشافعية ، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء ، الآتي بعد متعاطفات هو الوقف ، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع ، ولا إلى الأخيرة إلا بدليل . وإنما قلنا : إن هذا هو الأظهر لأن اللّه تعالى يقول :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[ النساء : 59 ] الآية . وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى اللّه وجدنا القرآن دالا على ما ذكرنا أنه الأظهر عندنا ، وهو الوقف . وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة ، فدل ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئا مطردا . ومن أمثلة ذلك قوله تعالى
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا
[ النساء : 92 ] ، فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط ، لأن المطالبة بها تسقط بتصدق مستحقها بها ، ولا يرجع لتحرير الرقبة إجماعا ، لأن تصدق مستحقي الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ . ومن أمثلة ذلك آية النور هذه ، لأن الاستثناء في قوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
لا يرجع لقوله :
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
كما ذكرناه آنفا . ومن أمثلة ذلك قوله تعالى
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 ) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ
[ النساء : 89 - 90 ] فالاستثناء في قوله :
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ
لا يرجع إلى الجملة الأخيرة التي هي أقرب الجمل المذكورة إليه أعني قوله تعالى
وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ،
( 89 ) إذ لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار ، ولو وصلوا إلى قول بينكم وبينهم ميثاق ، وهذا لا خلاف فيه بل الاستثناء راجع إلى الجملتين الأوليين أعني قوله تعالى
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ
[ النساء : 89 ] ، أي فخذوهم بالأسر ، واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ، فليس لكم أخذهم بأسر ، ولا قتلهم ، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم ، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، لأن هذه الآية نزلت فيه ، وفي سراقة بن مالك المدلجي ، وفي بني جذيمة بن عامر . وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع إلى أقرب الجمل إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز ، تبين أنه لم يلزم رجوعه للجميع ، ولا إلى الأخيرة ، وأن الأظهر الوقف حتى يعلم ما يرجع إليه من المتعاطفات قبله بدليل ، ولا يبعد أنه إن تجرد من القرائن والأدلة ، كان ظاهرا في رجوعه للجميع . وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، ولذلك اختصرناه هنا . والعلم عند اللّه تعالى .