* دع المكارم لا ترحل لبغيتها *
يهجو به الزبرقان بن بدر التميمي ، كما ذكره بعض المؤرخين ، وما ذكره القرطبي رحمه اللّه في الكلام الذي نقلنا عنه من أن البهتان العظيم الذي قالوه على مريم : هو تعريضهم لها بقولهم
ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ
[ مريم : 28 ] الآية لا يتعين بانفراده ، لأن اللّه جل وعلا ذكر عنهم أنهم قالوا لها غير ذلك وهو أقرب للتصريح بالفاحشة مما ذكره القرطبي وذلك في قوله تعالى :
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
( 27 ) [ مريم : 27 ] فقولهم لها
لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
( 27 ) في وقت مجيئها بالولد تحمله ظاهر جدا في إرادتهم قذفها كما ترى ، والكلام الذي ذكر ابن قدامة : أن عثمان جلد الحد فيه وهو قول الرجل لصاحبه : يا بن شامة الوذر . قال فيه الجوهري في صحاحه : الوذرة بالتسكين الغدرة ، وهي القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة ، ومنه قولهم : يا بن شامة الوذرة وهي كلمة قذف وكانت العرب تتساب بها كما كانت تتساب بقولهم : يا بن ملقي أرحل الركبان ، أو يا بن ذات الرايات ونحوها ، والجمع وذر مثل تمرة وتمر . ا ه . من صحاح الجوهري .
والشامة بتشديد الميم اسم فاعل شمه . وقال صاحب اللسان : وفي حديث عثمان رضي اللّه عنه أنه رفع إليه رجل قال لرجل : يا ابن شامة الوذر ، فحده وهو من سباب العرب وذمهم ، وإنما أراد يا ابن شامة المذاكير يعنون الزنا ، كأنها كانت تشم كمرا مختلفة فكنى عنه ، والذكر قطعة من بدن صاحبه ، وقيل : أرادوا بها القلف جمع قلفة الذكر ، لأنها تقطع .
انتهى محل الغرض من لسان العرب . وهذا لا يتضح منه قصد الزنا ولم أر من أوضح معنى شامة الوذر إيضاحا شافيا ، لأن شم كمر الرجال ليس من الأمر المعهود الواضح .
والذي يظهر لي واللّه تعالى أعلم : أن قائل الكلام المذكور يشبه من يعرض لها بالزنا بسفاد الحيوانات ، لأن الذكر من غالب الحيوانات إذا أراد سفاد الأنثى شم فرجها ، واستنشق ريحه استنشاقا شديدا ، ثم بعد ذلك ينزوا عليها فيسافدها فكأنهم يزعمون أن المرأة تشم ذكر الرجل كما يشم الفحل من الحيوانات فرج أنثاه ، وشمها لمذاكير الرجال كأنه مقدمة للمواقعة ، فكنوا عن المواقعة بشم المذاكير ، وعبروا عن ذكر الرجل بالوذرة ، لأنه قطعة من بدن صاحبه كقطعة اللحم ، ويحتمل أنهم أرادوا كثرة ملابستها لذلك الأمر ، حتى صارت كأنها تشم ريح ذلك الموضع والعلم عند اللّه تعالى .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : قد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم ، وحججهم في التعريض بالقذف ، هل يلزم به الحد أو لا يلزم به .
وأظهر القولين عندي : أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف فهما واضحا من القرائن أن صاحبه يحد ، لأن الجناية على عرض المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهما واضحا ، ولئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يفهم منها القذف