تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
وقد قدمنا إيضاح هذا وإبطال قول الظاهرية فيه ، مع إيضاح كثير من نظائره في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على آية
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ
[ الأنبياء : 78 ] الآية .

المسألة الثانية : [ بحث حول الاستثناء في الآية ]

اعلم أن المقرر في أصول المالكية ، والشافعية والحنابلة أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات ، أو مفردات متعاطفات ، أنه يرجع لجميعها إلا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها ، خلافا لأبي حنيفة القائل : برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط ، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله :
وكل ما يكون فيه العطف * من قبل الاستثنا فكلا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع * والحق الافتراق دون الجمع
ولذا لو قال إنسان : هذه الدار وقف على الفقراء والمساكين ، وبني زهرة ، وبني تميم إلا الفاسق منهم ، فإنه يخرج من الوقف الفاسق من الجميع لرجوع الاستثناء للجميع ، خلافا لأبي حنيفة القائل : برجوعه للأخيرة ، فلا يخرج عنده إلا فاسق الأخيرة فقط ، ولأجل ذلك لا يرجع عنده الاستثناء في هذه الآية ، إلا للجملة الأخيرة التي هي
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
فقد زال عنهم الفسق ولا يقول : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم ، بل يقول : إن شهادة القاذف لا تقبل أبدا ، ولو تاب وأصلح ، وصار أعدل أهل زمانه لرجوع الاستثناء عنده للجملة الأخيرة . وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم : القاضي شريح ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر ، وقال الشعبي والضحاك : لا تقبل شهادته إلا إذا اعترف على نفسه بالكذب . قاله ابن كثير . وقال جمهور أهل العلم ، منهم الأئمة الثلاثة : إن الاستثناء في الآية راجع أيضا لقوله
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً
وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته . أما قوله
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
فلا يرجع له الاستثناء ، لأن القاذف إذا تاب وأصلح ، لا يسقط عنه حد القذف بالتوبة . فتحصل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
( 4 ) يرجع لها الاستثناء بلا خلاف ، وأن الجملة الأولى التي هي
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
لا يرجع لها الاستثناء في قول عامة أهل العلم ، ولم يخالف إلا من شذ ، وأن الجملة الوسطى ، وهي قوله
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً
يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم ، منهم الأئمة الثلاثة خلافا لأبي حنيفة ، وقد ذكرنا في كتابنا : دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب ، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 61 | الشنقيطي