أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
( 25 ) [ النور : 23 - 24 - 25 ] وقد زاد في هذه الآية الأخيرة كونهن مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهن الكريمة .
ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلات ثناء عليهن بأنهن سليمات الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن ، ليس فيهن دهاء ولا مكر ، لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء ، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء ، وتطلق العرب على المتصفات به اسم البلد مدحا لها لاذما ، ومنه قول حسان رضي اللّه عنه :
نفج الحقيبة بوصها متنضد * بلهاء غير وشيكة الإقسام
وقول الآخر :
ولقد لهوت بطفلة ميالة * بلهاء تطلعني على أسرارها
وقول الآخر :
عهدت بها هندا وهند غريرة * عن الفحش بلهاء العشاء نؤم
رداح الضحى ميالة بحترية * لها منطلق يصبي الحليم رخيم
والظاهر أن قوله تعالى
لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 23 ) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 24 ) [ النور : 23 - 24 ] محله فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا ، فإن تابوا وأصلحوا ، لم ينلهم شيء من ذلك الوعيد ، ويدل له قوله تعالى
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
[ النور : 4 ] إلى قوله
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
[ النور : 5 ] .
وعمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب إلى اللّه من ذنبه توبة نصوحا تقبلها منه ، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر ، وبه تعلم أن قول جماعة من أجلاء المفسرين إن آية
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
التي جعل اللّه فيها التوبة بقوله
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
عامة ، وأن آية
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[ النور : 23 ] الآية . خاصة بالذين رموا عائشة رضي اللّه عنها أو غيرها من خصوص أزواجه صلى اللّه عليه وسلّم ، وأن من رماهن لا توبة له خلاف التحقيق . والعلم عند اللّه تعالى .
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : [ الآية إنما نصت على قذف الذكور للإناث خاصة ]
لا يخفى أن الآية إنما نصت على قذف الذكور للإناث خاصة ، لأن ذلك هو صريح قوله
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
وقد أجمع جميع المسلمين على أن قذف الذكور للذكور ، أو الإناث للإناث ، أو الإناث للذكور لا فرق بينه وبين ما نصت عليه الآية ، من قذف الذكور للإناث ، للجزم بنفي الفارق بين الجميع .