تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
القرآن ، ومثلنا لها كلها من القرآن في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى
* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
[ النساء : 24 ] فذكرنا أن من المعاني التي تراد بالمحصنات كونهن عفائف غير زانيات ، كقوله
مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ
[ النساء : 25 ] أي عفائف غير زانيات ، ومن هذا المعنى قوله تعالى
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
أي العفائف ، وإطلاق المحصنات على العفائف معروف في كلام العرب . ومنه قول جرير :
فلا تأمنن الحي قيسا فإنهم * بنو محصنات لم تدنس حجورها
وإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام العرب . ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي :
رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رماني
فقوله رماني بأمر : يعني أنه رماه بالكلام القبيح ، وفي شعر امرئ القيس أو غيره :
وجرح اللسان كجرح اليد
واعلم أن هذه الآية الكريمة مبينة في الجملة من ثلاث جهات : الجهة الأولى : هي القرينتان القرآنيتان الدالتان على أن المراد بالرمي في قوله :
يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
، هو الرمي بالزنى ، أو ما يستلزمه كنفي النسب ، كما أوضحناه قريبا . الجهة الثانية : هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج المرأة إذا رماها بالزنى ، ولكن اللّه جل وعلا بيّن أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية ، وأنه إن لم يأت بالشهداء ، تلاعنا ، وذلك في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
[ النور : 6 ] الآية . ومضمونها : أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه ، والمعنى أنه لم يقدر على الإتيان ببينة تشهد له على الزنى الذي رماها به ، فإنه يشهد أربع شهادات يقول في كل واحدة منها : أشهد باللّه إني لصادق فيما رميتها به من الزنى ، ثم يقول في الخامسة : عليّ لعنة اللّه إن كنت كاذبا عليها فيما رميتها به ، ويرتفع عند الجلد وعدم قبول الشهادة والفسق بهذه الشهادات . وتشهد هي أربع شهادات باللّه تقول في كل واحدة منها : أشهد باللّه إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى ، ثم تقول في الخامسة : غضب اللّه عليّ إن كان صدقا فيما رماني به من الزنى ، كما هو واضح من نص الآية . الجهة الثالثة : أن اللّه بيّن هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا ، ولم يبين ما أعد له في الآخرة ، ولكنه بيّن في هذه السورة الكريمة ما أعدّ له في الدنيا والآخرة من عذاب اللّه ، وذلك في قوله
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 23 ) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 59 | الشنقيطي